في هيئة الإعلام

 

اعتدتُ، كلما هممتُ بزيارة دائرة رسمية أو هيئة عامة، أن أهيّئ نفسي مسبقًا لمواجهة موظفين بملامح جامدة، وكلمات مقتضبة تُنتزع انتزاعًا، ونظرات صامتة تُغني عن الحديث، وأحيانًا عن أبسط معاني الترحيب. تمضي معاملتك وكأنها عبء ثقيل، وتُحال من شباك إلى آخر: من (6) إلى (9) ثم تعود، في دوامة من البيروقراطية والروتين المملّ، حتى يغدو الأمر مرهقًا للنفس قبل الجسد.

ومن فرط ما خبرتُ هذا الواقع، آثرتُ منذ زمن أن أوكّل غيري في إنجاز معاملاتي كلما أتاح القانون ذلك، اتقاءً للتوتر، وابتعادًا عمّا يثقل الخاطر.

غير أنّ ما حدث اليوم كان مختلفًا تمامًا.

اضطررتُ لزيارة هيئة الإعلام الأردنية، تلك المؤسسة التي عرفتُها منذ مطلع شبابي حين كانت تُعرف باسم دائرة المطبوعات والنشر في جبل عمّان – الدوار الثالث؛ بمقرّ متواضع ومسؤوليات جسام، تتعلّق بالرقابة على المطبوعات، ومنح التراخيص، وتنظيم العمل الإعلامي.

دخلتُ صباح اليوم وأنا أحمل إرثًا من التحفّظ وعدم الرضا، لكنني ما إن وطئتُ المكان حتى تبدّل ذلك الشعور كليًا. لم تكن مفاجأة عابرة، بل حالة من الانبهار الحقيقي.

في مدخل القاعة، استقبلني موظف الاستعلامات بهندام أنيق، وابتسامة صادقة، ورائحة طيبة، وسؤال لبق: “كيف يمكنني خدمتك؟”. أجبته بطلب تجديد رخصة، فما كان منه إلا أن بادر—وقبل أن يُنهي حديثه—أحد الزملاء قائلاً: “تفضل أستاذ”، وأخذ يرشدني بدقة واهتمام، رغم أن ذلك لم يكن من صميم اختصاصه. كان دافعُه الاحترام، لا الواجب.

وصلتُ إلى مكتب التراخيص، فاستقبلتني موظفة على قدر عالٍ من الثقافة واللباقة، طلبت مني الجلوس، وقدّمت لي كل التسهيلات، وتابعت معاملتي بعناية، ثم أرشدتني إلى المحاسبة والديوان لاستكمال الإجراءات، وكأنها تحرص على راحتي قبل إنجاز المهمة.

أنهيتُ معاملتي بسلاسة لافتة، في أجواء أقرب ما تكون إلى بيئة إنسانية مريحة؛ وجوه بشوشة، تعامل راقٍ، واحترافية تُشعرك بأنك موضع تقدير حقيقي.

خرجتُ من هناك وأنا أحمل انطباعًا مختلفًا تمامًا، بل وتمنّيت—للمفارقة—أن أعود لتجديد الرخصة مرة أخرى، فقط لأتأكد أن ما رأيته لم يكن استثناءً عابرًا.

لم أعرّف بنفسي لأحد، ولم يعرفني أحد، سوى اسمي المدوّن على الأوراق. إنها الأخلاق حين تتجسّد سلوكًا، لا شعارًا.

ومن هذا المنطلق، أجد من واجبي أن أتقدم بجزيل الشكر والتقدير لكل العاملين في هذه الهيئة، وعلى رأسهم عطوفة بشير المومني، مدير هيئة الإعلام الأردنية، على ما يعكسونه من صورة مشرقة للعمل المؤسسي القائم على الاحترام والكفاءة.

تجربة تستحق أن تُروى… وأن تُحتذى.

الامين العام المساعد – اتحاد الناشرين العرب

مدير دار اليازوري للنشر

احمد يونس اليازوري

20-4-2026

مقالات ذات صلة