تقزيم الإذاعة الأردنية.. نكران للتاريخ واغتيال لصوت الاردن ومنبر الهاشميين.

بقلم: د. محمد المناصير

د.محمد المناصير

في غمرة الاندفاع المحموم نحو ما يسمى “الرشاقة الإدارية” ومواكبة بريق “التحول الرقمي”، أطل علينا نظام التنظيم الإداري الجديد لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون لعام 2026، حاملاً في طياته أرقاماً جافة تتحدث عن تقليص المديريات وتخفيض الأقسام من سبعين إلى خمسين. ولكن خلف هذه الأرقام الباردة التي صاغتها عقلية محاسبية بحتة، تكمن غصة عميقة في قلوب الأردنيين؛ إذ تقرر تذويب خصوصية “الإذاعة الأردنية” الأم، وتحويلها من مؤسسة سيادية وبوتقة للهوية الوطنية إلى مجرد “مديرية فرعية” تائهة في ممرات الهيكل التنظيمي، من بين 14 مديرية تتساوى مع مديرية الهندسة الاذاعية ومديرية العطاءات والمشتريات وكأننا نعلن رسمياً تحويل الأم الرؤوم إلى طفلة قاصرة تُديرها إدارات مستحدثة.

لقد جاء هذا النظام ليعبث بقدسية المراتب التنظيمية، فلم تعد الإذاعة ذلك الكيان الشامخ المرتبط برأس الهرم الإداري، بل أُنزلت مرتبتها لتصبح مجرد مديرية تتبع لـ “إدارة المحتوى الإعلامي” وفقاً للمادتين الثالثة والرابعة من النظام. هذا التراجع لم يكن شكلياً فحسب، بل هو بترٌ لهوية “الكلمة المسموعة”؛ فبموجب الهيكلية الجديدة، نجد أن الإذاعة قد تساوت في وزنها الإداري مع مديرية الموارد البشرية أو مديرية العطاءات والمشتريات. والأدهى من ذلك هو تفتيت قلب الإذاعة النابض عبر دمج أخبارها ومنصاتها في مديرية واحدة عابرة للمؤسسة ، وهو ما يهدد بتميع ذلك الصوت الرصين الذي يمتلك وقاراً لا تملكه الشاشة ببريقها السريع، ولا المنصات بضجيجها الرقمي. إن الخبر الإذاعي الذي يعتمد على الكلمة والصوت والخيال سيصبح، في ظل هذا الدمج، مجرد صدى باهت لما يكتبه محررو التلفزيون، مما يفقد “هنا عمان” خصوصيتها التي لامست الفلاح في حقله والجندي في خندقه لعقود طويلة.

إننا حين نتحدث عن الإذاعة الأردنية، فنحن لا نتحدث عن “فائض إداري” يمكن ترشيقه، بل نتحدث عن مدرسة في الأداء الصوتي واللغة العربية السليمة، وعن إرثٍ ملكيٍّ بناه جلالة الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه- حين افتتح هذا الصرح في جبل الحسين عام 1956،والتي افتتحها اجلالته بكلمة جاء فيها:

 

«أحييك من خلال صوتك الصريح وكلي أمل وثقة بأن يكون هذا المذياع منبرا حرا صادقا يتحدث إليك عن تاريخ أمتك المجيد وحاضرها المستيقظ ومستقبلها السعيد وان هذا الصوت وهو صيحة الأردن الواضحة المبشرة بسياستك العربية الخالدة التي ما انفكت تهدف إلى الوحدة وتنادي بان العروبة هي صاحبة الحق في الدفاع عن أوطانها وصد كل اعتداء عن العالم العربي الكبير».

ثم في أم الحيران في الاول من آذار عام 1959 حيث قال الحسين في افتتاح مباني الاذاعة ومحطة الارسال الجديدة : ” شعبي الوفيّ، أبعث إليكم بالتحية في كل بيت ومنزل وفي كل حاضرة وبادية وفي كل حصن ومعقل.. تحية تقدير ومحبة وعرفان بما أظهره هذا الشعب الحرّ من استجابة نبيلة لدعوة الخير التي جنّبت بلادنا الحبيبة مهاوي الشر والعثار، وحقّقت لها الدعة والطمأنينة والاستقرار”.”إن الأردن اليوم وهو يصغي إلى صوته الحي المنافح عن حياض العروبة والإسلام يحمل في ثناياه صور المجد وتشع من أعماقه هالات القداسة وأنوار الهداية إنما يجد نفسه قادرا على إنارة الطريق أمام السارين وإضاءة السبيل أمام السالكين وسبيله هو سبيل الرحمن ودعوته الخيرة وحدة وتراحم وإخاء” .

هل غاب عن ذهن واضعي هذا النظام صدى صوت الملك الباني وهو يريد لهذه الإذاعة أن تكون “صوتاً للحق وذوداً عن الحياض”؟ إن تقزيم هذا الإرث اليوم ليصبح قسماً أو مديرية هو نكران للتاريخ واغتيال لمنبر أراد له الهاشميون أن يكون منارة للأحرار. فالإذاعة التي انطلقت من أتون حرب 1948 من القدس ورام الله، كانت هي “الحكاية الأولى” في سردية الدولة، وتهميشها اليوم يتناقض تماماً مع رؤية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي يؤكد دوماً أن الحداثة لا تكتمل إلا بالأصالة، وأن بناء “الأردن الجديد” لا يعني هدم ركائزه الأولى بل البناء عليها بلسان عصري يحفظ الرمزية الوطنية.

وتبلغ ذروة التهميش في المادة الخامسة من النظام الجديد، التي أقصت “مدير الإذاعة” تماماً عن طاولة القرار الاستراتيجي؛ إذ حصرت عضوية “لجنة التخطيط والتنسيق والمتابعة” في مديري الإدارات فقط. وبما أن الإذاعة جُردت من وصف “الإدارة” لتصبح “مديرية”، فقد حُرمت من حق العضوية الأصيلة في اللجنة التي تدرس خطط المؤسسة، وبرامجها، ومشاريع قوانينها، وموازنتها السنوية. لقد أصبح حضور “صوت الدولة” في اجتماعات التخطيط رهناً بدعوة أو استدعاء من المدير العام “للاستئناس بالرأي” ، وهو تحول مهين يحول صانع القرار التاريخي إلى مجرد ضيف عند الحاجة. فكيف تُبنى استراتيجيات الإعلام الوطني في غياب المكون الأقدم والأعرق في المؤسسة؟

إننا لسنا ضد التطور، ونبارك التوجه نحو الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي الذي نص عليه النظام ، ولكننا نرفض أن يكون التحديث ذريعة لطمس الهوية. إن الاستثمار في الرقمنة يجب أن يكون وسيلة لتعزيز “الرسالة”، لا لإلغاء “الحامل التاريخي” لها. فالإبداع الإذاعي ليس خوارزمية صماء، بل هو روح متصلة بالأرض والناس. إن إعادة الهيكلة التي لا تحترم التخصص هي في الحقيقة “تفكيك” وليست تطويرًا، وتحويل “أم المؤسسات” إلى مديرية محشورة في زاوية ضيقة هو خطأ استراتيجي يضعف “القوة الناعمة” للدولة الأردنية في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى صوت رصين يمتلك الهيبة والسيادة.

يا أصحاب القرار، إن الهياكل التنظيمية تُبنى وتُهدم، أما رموز السيادة الوطنية فلا تخضع لمقص الرشاقة الإدارية. إن الإذاعة الأردنية التي كانت “صوت العرب” البديل في أزمات المنطقة، وصوت النصر في الكرامة وتشرين، وصوت الاعتدال في كل المنعطفات، هي أكبر من أن تُختصر في خانة وظيفية. ارفعوا أيديكم عن خصوصية الإذاعة، وأعيدوا لها هيبتها واستقلالها، واتركوا لنا “هنا عمان” بكبريائها وقارها، فهي “الأم” التي لا تصغر، و”المدرسة” التي لا تُغلق أبوابها بقرار إداري جاف غابت عنه روح التاريخ وعظمة الرسالة.. د. محمد المناصير

مقالات ذات صلة