لبنان وإسرائيل: الترسيم ليس بديلا عن التحرير

عصام نعمان

حرير- تعمل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ورائها إسرائيل، على دفع لبنان إلى مفاوضة كيان الاحتلال في مسارٍ يؤدي إلى وقف إطلاق النار، ومن ثم إلى «اتفاق شامل يكفل الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين»، حسب ما أورده وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في «مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل»، التي نشرها بعد محادثات جرت في 14 أبريل الجاري، بين كل من سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن.يمكن مناقشة وتفنيد مضمون هذه المذكرة على النحو الآتي:

اولاً: لا شرعية لتكليف سفيرة بالتفاوض مع إسرائيل

صحيح أن رئيس الجمهورية يتولى بموجب المادة 52 من الدستور المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، لكن رئيس الجمهورية ملزم أيضاً بموجب المادة 50 من الدستور بأن «يحلف أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمة والدستور، وأن يحترم قوانينها ويحفظ استقلالها وسلامة أراضيها». ومن المعلوم أن ثمة قوانين وأنظمة نافذة تقضي بمقاطعة إسرائيل ومنتجاتها والتعامل معها، فهل التزم رئيسا الجمهورية والحكومة أحكام الدستور والقوانين النافذة، بتكليف سفيرة لبنان في واشنطن تمثيل الدولة في مفاوضة سفير إسرائيل، الذي يقاطع لبنان دولته ويحظّر التعامل معها ولا يعترف بها أصلاً؟

ثانياً: هل زوّد رئيسا الجمهورية والحكومة سفيرة لبنان بكتاب يحدّد مضمون صلاحياتها وحدودها؟

إذا افترضنا جدلاً أن من حق رئيسي الجمهورية والحكومة تكليف سفيرة لبنان في واشنطن مفاوضة سفير إسرائيل بشأن «تفاهم يعمل بموجبه كِلا البلدين على تهيئة الظروف الموضوعية لسلام دائم بينهما، والاعتراف بكامل سيادة كل منهما وسلامته الإقليمية»، كما جاء حرفياً في المذكرة التي كشفها وزير الخارجية الأمريكي بعد انتهاء الاجتماع بين السفيرين المشار إليهما بحضوره ومشاركته، فهل زوّد الرئيسان عون وسلام سفيرة لبنان المكلفة مفاوضة سفير إسرائيل، بكل هذه القضايا والأمور المصيرية؟ وإذا كانا قد فوّضاها فعلاً، فهل من حقهما القيام بذلك، من دون موافقة صريحة من مجلس النواب بل من دون توافق وطني عام مكّرس في مؤتمر وطني جامع يترجم روح ومضمون اتفاق الوفاق الوطني في الطائف، الذي أضحى بمعظم بنوده جزءاً لا يتجزأ من الدستور المعدّل بالقانون الدستوري الصادر في 1990/9/21؟

ثالثاً: هل صحيح أن لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب ويلتزمان بالتفاوض؟

جاء في «مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل»، التي كشفها وزير الخارجية الأمريكي «أنهما ليسا في حالة حربٍ ويلتزمان بالدخول في مفاوضات مباشرة وحسنة النية بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يكفل الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين»، فهل فوّض الرئيسان عون وسلام سفيرة لبنان في واشنطن مفاوضةَ سفير إسرائيل بشأن هذه القضايا المصيرية؟ وهل وافقا على مضمون ما توصلت اليه هذه السفيرة مع سفير إسرائيل في هذا الصدد؟ إذا كانا وافقا فعلاً فإن هذا باطل بطلاناً مطلقاً سنداً لأحكام المواد 1 و2 و49 و65 و76 و 77من الدستور، فضلاً عن تناقضه مع روح ومضمون اتفاق الوفاق الوطني في الطائف الذي أضحى جزءاً من الدستور المعدّل سنة 1990 واتفاق الهدنة المعقود مع إسرائيل سنة 1949 الذي كان نتيجةَ حربٍ لم تضع أوزارها بعد.ر

رابعاً: هل وافق عون وسلام على إعطاء إسرائيل «الحق» بالتحرك داخل لبنان للدفاع عن نفسها؟

نصّت «مذكرة التفاهم» إياها على «أن تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع التدابير الضرورية دفاعاً عن النفس، في أي وقتٍ ضد هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية، ولا يجوز أن يعيق وقف الأعمال العدائية هذا الحق». فهل وافق الرئيسان عون وسلام على إعطاء هذا «الحق» لإسرائيل؟ وهل كلّفا سفيرة لبنان في واشنطن المفاوضة بشأن اعتماد «هذا الحق» في «مذكرة التفاهم» بين لبنان وإسرائيل التي كشفها وزير الخارجية الأمريكي؟ ألا يدرك الرئيسان أن الموافقة على إعطاء هذا «الحق» لإسرائيل تشكل مخالفة لأحكام الدستور والقوانين النافذة، لكونها لم تقترن مسبقاً بموافقة معلّلة من مجلس النواب، ولا من مؤتمر وطني عام يمكنه أن يجيز أو لا يجيز توصيةً من هذا القبيل تتصف بطابع مصيري؟

خامساً: هل طلب لبنان من الولايات المتحدة تيسير المفاوضات مع إسرائيل لحل القضايا العالقة بينهما؟

جاء في «مذكرة التفاهم» إياها: «يطلب لبنان وإسرائيل من الولايات المتحدة تيسير المزيد من المفاوضات المباشرة بين البلدين بهدف حلّ كل القضايا العالقة بينهما بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية». هل غاب عن ذهن كل من الرئيسين عون وسلام أن حدود لبنان البرية محدّدة في المادة 1 من الدستور، وأن على أساسها جرى إقرار اتفاق الهدنة مع إسرائيل سنة 1949؟ وإذا كان إنهاء احتلال إسرائيل لبعض الأراضي اللبنانية يتطلّب إعادة ترسيم الحدود البرية (والبحرية) بينهما، فإن ذلك يستوجب بالضرورة موافقة مسبقة من مجلس النواب بموجب أحكام الدستور، ولاسيما المادة 2 منه؟ واذا كان الأمر كذلك فإن أيّ قرار بهذا الشأن يستوجب موافقة مسبقة معلّلة من مجلس النواب، ناهيك عن عدم جواز تكليف سفيرة غير مفوّضة البتّ بأمر أو قضية أساسية كترسيم الحدود.

في ضوء هذه المخالفات الجسيمة والمنافية لأحكام الدستور والقوانين النافذة، ولضرورة التوافق الوطني العام والمسبق عليها، ينتصب سؤال: ما العمل؟ أرى، وربما غيري كثر، أن يُصار إلى تنظيم استفتاء وطني عام بموجب قانون لاستطلاع رأي الشعب (المحروم في هذه الظروف الراهنة من إبداء رأيه بسبب تمديد ولاية مجلس النواب سنتين، وبالتالي تأجيل الانتخابات النيابية) بغية معرفة إرادته وخياراته والمفاضلة بينها بالتصويت لبتّ المسائل الآتية:

إلزام الحكومة باحترام أحكام الدستور بصرامة في كل مفاوضات تتعلق بحدود لبنان وسيادته على أراضيه كافة.

إبداء الناخبين والناخبات خيارهم بتسمية شخصين، يُستحسن دونما إلزامٍ بأن يكون احدهما مسلماَ والآخر مسيحياً، على أن يكون كلاهما من ذوي السمعة الطيبة والكفاءة العلمية العالية، لينضما إلى جانب رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء كأعضاء في اللجنة العليا المكلفة إجراء مفاوضات مع إسرائيل، لتكريس إنهاء احتلالها لأراضي لبنان ومياهه الإقليمية وفق اتفاقٍ جديد للهدنة بينهما.

(جـ) اعتبار الأشخاص الستة الحائزين أكثرية الأصوات في الاستفتاء الوطني العام أعضاء في اللجنة العليا للمفاوضات، دونما مراعاةٍ لأيّ اعتبارات طائفية أو مذهبية.

(د) تنتهي ولاية اللجنة العليا للمفاوضات عند إجراء انتخابات نيابية جديدة.

آن الأوان لاستخلاص رأي الشعب واعتماده في القضايا الأساسية والمصيرية بمنأى عن الطائفية السياسية التي كان قد تقرر إلغاؤها في بنود مقدمة الدستور المعدل سنة 1990 كما في المادة 95 منه.

من يجرؤ على تقديم حجة منطقية معاكسة؟

مقالات ذات صلة