
أمريكا الترامبية: “ذئبة مسعورة بين الأمم”
مالك التريكي
حرير- أذكر أن الصحافي الفرنسي الراحل هرفي بورج، الذي تولى في عهد الرئيس ميتران مناصب إعلامية رفيعة مثل الإدارة العامة للتلفزة العمومية ولإذاعة فرنسا الدولية، والذي اشتهر في العالم الثالث أثناء السبعينيات والثمانينيات بكتابه “تصفية الاستعمار الإعلامي”، قد سئل يوما عن المخدر المفضل لديه فأجاب بأنه الجرائد! والمقصود عند الفرنسيين بعبارة “المخدر المفضل” هو الأمر الذي يدمنه المرء فلا يستطيع العيش بدونه، مثلما هو شأن كثير من الناس مع الموسيقى مثلا أو كرة القدم. وقد كانت القراءة أيضا، وما بالعهد مِن قِدَم، موضوع الإدمان الأقوى والأشمل عند أجيال من الناس على اختلاف أصولهم الاجتماعية وتفاوت مستوياتهم التعليمية. ولم تكن القراءة تقتصر على القصص والروايات مثلما هو، على ما يبدو، الشأن اليوم وإنما كانت تشمل الشعر والتاريخ والفكر والسياسة والاقتصاد، الخ. بل إنه كان حتى للفلسفة جمهورها المواظب. كما كانت قراءة الجرائد طقسا يوميا جماهيريا يبلغ حد القداسة عند بعضهم، وكثيرا ما كان يقترن بعادات الحياة اليومية مثل شرب قهوة الصباح أو الجلوس في المقهى أو امتطاء الحافلة أو القطار. أما اليوم فلا أظن أن قد بقي من مدمني قراءة الجرائد، خصوصا في بلاد العرب، إلا القلائل.
ومن مباهج إدمان قراءة الصحف ذلك الترقب المحتشد بأمانيّ الانتظار لمقالات المُجيدين من أصحاب الرأي وكتّاب الأعمدة في إطار العقد الثقافي والأخلاقي الضمني الذي ينعقد بين القارئ المواظب وبين من يقدّرهم من الصحافيين والكتاب. ولهذا كانت قراءة الجرائد الأمريكية بالنسبة لقارئ مثلي تعني بهجة قراءة كتاب من أمثال جيم هوغلاند، وتشارلز كروثامر، وأنثوني لويس، وفلورا لويس، ووليام بفاف معلق لوس أنجلوس تايمز الذي كانت الهيرالد تريبيون تعيد نشر مقالاته. والحق أن بفاف كان أعمق المعلقين الأمريكيين ثقافة وأقربهم صلة تكوينية بالأرومة الفكرية الأوروبية، ولعل هذا من أسباب اختياره الإقامة في باريس زمنا مديدا. كما كانت قراءة الإندبندنت تعني التماس الرأي النيّر لدى بيتر جنكنز الذي يبدو أن قد نسيه معظم البريطانيين تماما كما نسوا هيوغو يانغ، فمن ذا الذي يذكر اليوم أن الفضل الأكبر في قوة حضور الغارديان في عالم الرأي السياسي إنما كان يعود لذلك الكاتب الرصين الحصيف الذي كان لمقاله كل سبت وزن وشأن.
مناسبة هذه الإشادة بالمجيدين من كتاب الجرائد أن المعلق المعروف ديفيد بروكس أعلن التوقف عن الكتابة في النيويورك تايمز “للتفرغ لمشاريع أخرى” يرجح أنها ستكون في مجال البحث والتأليف. قال في آخر مقالاته “لما أتيت إلى النيويورك تايمز سعيت إلى نشر فكر سياسي محافظ باعتدال ومستلهم لمقولات مفكرين من أمثال أدموند بورك وألكسندر هاملتون. ولقد نجحت في إقناع الناس بوجهة نظري نجاحا باهرا إلى حد أن الجمهوريين المعتدلين صاروا هم القوة المهيمنة في السياسة الأمريكية وهم الممسكين بالسلطة كلها من البيت الأبيض حتى غريسي مانسيون (مقر إقامة عمدة نيويورك). ولهذا فأظن أني قد أديت مهمتي”.
ولأن مغزى هذا الأسلوب الساخر ربما يخفى عن بعض الأذهان، فإن بروكس سارع إلى الاستدراك: “إنما كنت مازحا (..) عندما أفكر في مدى تغير العالم منذ أن انضممت إلى التايمز (عام 2003)، أجد أن التيار الغالب هو ما ابتلي به الأمريكيون من فقد جماعي للثقة والإيمان، لا في مجال الدين فحسب، بل في مختلف المجالات (..) فقد كان عالم ما بعد الحرب الباردة خيبة للآمال. حيث نسفت حرب العراق ثقة الولايات المتحدة في قوتها، ونسفت الأزمة المالية ثقة الأمريكيين في الرأسمالية غير المقننة وقدرتها على تأمين الازدهار المطّرد للأغلبية، ولم يدشن الإنترنت عهدا من حسن التواصل والتفاهم بل عهدا من تفاقم الإحباط والبغضاء والعزلة (..) لقد صارت بلادنا أشأم وأدعى للرثاء. وبينت دراسة تاريخية حديثة عن الصحف الأمريكية أن الخطاب العام هو اليوم أكثر سلبية من أي وقت مضى منذ منتصف القرن الـ19 (..) ويقول 69 بالمائة من الأمريكيين إنهم لا يؤمنون بالحلم الأمريكي. وفقد الثقة هذا يؤول بالناس إلى عدم الإيمان بأي شيء. فما ترامب إلا العدمية متشخصة في رجل، بزعمه أن الأخلاق لا تلزم إلا المغفلين وأن الحياة لا تعني سوى السلطة والقوة والتجبر والإيذاء (..) وهكذا فإن أمريكا في طريقها الآن لأن تصير الذئبة المسعورة بين الأمم”.



