اختطاف الشعب الفلسطيني… المخطط الإسرائيلي المتسلل

سامح المحاريق

حرير- تقدم إسرائيل مجموعة من الاعتبارات الأمنية تجعلها ترفض قيام دولة فلسطينية، وتستدعي تجربة انسحابها من قطاع غزة والخلل الأمني الذي أنتجته، وصولا إلى السابع من أكتوبر، وأراضي الضفة الغربية التي يفترض أن تشكل القوام الجغرافي للدولة الفلسطينية مرتفعة، قياسا بالمناطق الساحلية في (إسرائيل) بما يعني أنها ستكون دائما في وضعية هشة أمنيا في حال مهاجمتها بصواريخ محلية الصنع أو مهربة عبر الحدود.

تبدو هذه الحجج غير موضوعية لأنها يمكن معالجتها ضمن تفاهمات أمنية، والتنسيق الأمني الذي تواصل لسنوات طويلة يمكن أن يحيد هذه المخاطر، والسبب الحقيقي الكامن هو عدم استعداد إسرائيل للتخلي عن الأرض بوصفه جزءا من عقيدتها السياسية.

أبدت إسرائيل في السابق شيئا من المرونة تجاه التخلي عن بعض أراضي الضفة في السبعينيات، ضمن اتفاقية سلام تتاخم وتكمل اتفاقية كامب ديفيد، التي أبرمها الرئيس المصري أنور السادات مع إسرائيل، وهو ما يبدو اليوم مستحيلا في ظل العقيدة الإسرائيلية الجديدة، فالواقع أن جانبا من المشكلة السكانية والاجتماعية الإسرائيلية يجري ترحيلها إلى عملية استيطان واسعة في الضفة الغربية، بحيث يتمدد الاستيطان الرسمي والعشوائي، ليحول عمليا دون وجود ما يتبقى للفلسطينيين في المدى البعيد، إلا تلك المعازل الصغيرة التي يمكن فصلها عن بعضها، وعن بقية العالم، بإجراءات أمنية محدودة وسريعة. تتسارع اليوم الإجراءات الإسرائيلية لضم الضفة الغربية، وهو ما لن يكون منتجا من غير تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، فالضم يعني وضع إسرائيل أمام مشروع لدولة واحدة، بعد إنهاء حل الدولتين، ولتتحمله إسرائيل يتوجب أن يكون ذلك على أساس تفوق ديمغرافي كبير لمصلحتها، بمعنى أن يتبقى من الفلسطينيين من لا يشكلون أكثر من ربع أو ثلث سكان الدولة الواحدة الجديدة، ووقتها يمكن الحديث عن ترتيبات سياسية، أو تحمل تكلفة نموذج فصل عنصري، يبدو أن القانون الدولي وبعد الأحداث الأخيرة وما يترافق معها من فضائح وتهالك المؤسسات الدولية يمكن أن يتقبله، خلافا للأوضاع التي قامت في جنوب افريقيا في القرن العشرين.

طرحت قضية الدولة الواحدة منذ سنوات، وهي فكرة ليست جديدة، وكانت المشكلة دائما في الواقع السكاني للدولة، الذي سيعبر عن تفوق عدد للفلسطينيين أو العرب كما تصفهم الأدبيات السياسية الإسرائيلية، وبقيت الأحاديث عن الحل عالقة في هذه النقطة، إلا أن التهجير يمكن أن يجعلها قابلة للطرح من جديد، وفقا لشروط إسرائيلية خالصة وكاملة، وبما يعني أنها مجحفة وكارثية بالنسبة للفلسطينيين في المقابل. التهجير ملازم للضم واقعيَا وموضوعيا، والخيارات واسعة، مثل افتعال حدث كبير مماثل للسابع من أكتوبر، يكون ذريعة لإطلاق مجزرة إسرائيلية أخرى في الضفة الغربية، حتى لو وقفت الدول العربية ضد عملية تهجير واسعة وممنهجة، فالخيارات يمكن أن تشمل ترحيل الفلسطينيين إلى النقب بعيدا عن الضفة الخصبة نسبيا، والمفيدة اقتصاديا، وفتح أبواب الرحيل إلى دول بعيدة، يمكن أن تبدي استعدادا لاستضافة حصص متفاوتة من الفلسطينيين. الربع أو الثلث المتبقي من سكان مشروع الدولة الواحدة، سيكون موضوعا للهندسة الاجتماعية الإسرائيلية، لإبقائه مثل نماذج قديمة طبقها الاستعمار في افريقيا، وربما سيكون ضحية لنظام السيطرة على طريقة روايات الديستوبيا، بمعنى التدخل في تعليمه وطعامه وعلاقاته وحتى مواعيد نومه واستيقاظه، ليكون مجرد وقود عمالي لمشروعات إسرائيل وأولوياتها.

هذه المسارات يمكن أن تتضاعف احتمالاتها بعد الحرب على إيران في حالة حدوثها، أو الخروج من المسار التفاوضي بإيران جديدة تبعد العبء الاستراتيجي عن إسرائيل، وتعطيها نصرا معنويا كبيرا وتقدمها بوصفها القوة الصاعدة في المنطقة، بحيث يشيع تصور داخل جميع القوى السياسية الفاعلة في إسرائيل بالمخطط المكلف، الذي ينتهجه اليمين الإسرائيلي بتحالفه مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو ما يستلزم في المقابل، من التحالف العربي ـ الإسلامي الذي يتشكل حاليا، أن يأخذ خطوة مواجهة متقدمة ترفض أن تمنح أي دولة وبصورة منفردة إمكانية السيطرة الإقليمية، بحيث تصبح قيمة أية إجراءات إسرائيلية أقل من عائدها، وتفوت على إسرائيل فرصة التوسط في شبكة النقل والتجارة في المنطقة. في الحدود الدنيا يصبح اغتيال حل الدولتين ضغطا على الدول العربية المجاورة لإسرائيل بشكل مستمر، لأنه يعني تسوية هشة ومعيبة واستنزافا أمنيا وسياسيا متصلا، ويجعل الفلسطينيين مجرد كتلة سكانية لا ترتقي لفكرة الشعب، ولا تستحق وضعيته، وهو ما يجعل كل الشعوب العربية، ومهما حاولت أجهزة إنتاج الهوية أن تمنحها الثقة وتحوطها معنويا، في وضعية مشابهة، لأن المنطقة يجري هندستها وترويضها لخدمة المشروع الإسرائيلي الذي ينتشي بمنطق الصفقات الكبرى التي تركز على الجانب الشكلي والدعائي، وتستهين بالجانب الإنساني بكل معانيه وتجلياته.

الخطوات الإسرائيلية تجاه التهام الضفة الغربية لا تتعلق بالأرض وحدها، فهي أيضا تستهدف السكان ووجودهم، وتبرمج جدولا لاقتلاعهم، يبقى الاختلاف حول تفاصيله، وهو ما يتحدد في مجموعة من السياقات الدولية والإقليمية والمحلية على المستوى الإسرائيلي والفلسطيني، وبينما تحاول إسرائيل أن تستثمر في سلطة الأمر الواقع إلى الحدود القصوى من خلال الإجراءات الأحادية، ففي المقابل يتغيب تثبيت الأمر الواقع الفلسطيني وتحصينه على الأقل لإلقاء القنابل الدخانية في المسار الإسرائيلي، الذي يتخذ شكلا واضحا للوصول إلى حل يخدم إسرائيل وحدها ومن غير أي تنازلات، وترحيل الثمن إلى الجميع يتقاسمونه بالطريقة التي يرونها مناسبة، باستكمال رفض التهجير أو تحمل كارثة إنسانية يمكن أن تفتعلها إسرائيل وهي حاضرة دائما في خياراتها.

يعلق الكثيرون آمالا على التحالف العربي ـ الإسلامي الذي يحاول أن يظهر كوحدة متماسكة بوصفه فرصة أخيرة، وكان من مظاهر تشكله ووجوده الخطاب المرسل لقبول عضوية مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس ترامب، خاصة أن المحور يعمل على مستوى إقليمي ودولي يواجه انفلات الطموح الإسرائيلي، والفلسطينيون يفترض أن يكونوا ضمن أدواته في المواجهة الواسعة ومتعددة المراحل، ومع ذلك يبدو أن قدرة الفلسطينيين على التواصل مع المحور والدول الشريكة تتفاوت كثيرا بين دولة وأخرى، والواقع أن سباقا محموما تخوضه إسرائيل لدفع الفلسطينيين إلى الهاوية بإسقاط السلطة موضوعيا مع التضييق الاقتصادي والأمني على وجودها ومؤسساتها.

الإبقاء على حل الدولتين كان يعني نظاما إقليميا يمكن أن يستوعب إسرائيل، أما حل الدولة الواحدة، فهو يضع إسرائيل أمام مراهنتها الكبرى، وتعني السيادة على المنطقة بمعناها الاقتصادي والأمني، وإزاحة الفلسطينيين أو اختطافهم مؤقتا خطوة مهمة في تحقيق رؤية إسرائيل لدولة واحدة لا تستطيع أن تجعلها دولة ديمقراطية، ولا يبدو أن تكون نسخة جديدة للفصل العنصري في عالم يفقد بوصلته الأخلاقية مع الوقت.

مقالات ذات صلة