لمجلس سلام لا يُكافئ المجرمين

محمود الريماوي

حرير- كان من دواعي مشاركة دول عربية وإسلامية في “مجلس السلام” اغتنام الفرصة لوقف حرب الإبادة في قطاع غزّة نهائيّاً، وتحفيز الرئيس دونالد ترامب، راعي المجلس ورئيسه، على التقدّم إلى الأمام لإقامة سلام جدّي ومتوازن يستند في جوهره إلى القرارات الدولية. أمّا رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فيرى في المجلس فرصةً لإقامة سلام فاسد يقوم على تصفية القضية الفلسطينية، وإحلال سلام اقتصادي مترافقاً مع ضغوط إجرامية، لدفع أبناء الضفة الغربية وقطاع غزّة إلى مغادرة وطنهم التماساً للنجاة من إرهاب دولة الاحتلال. وقد جرّب نتنياهو تطبيق ما يريد إثر إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إذ تعامل مع الإعلان باعتباره ملزماً لحركة حماس وفصائل المقاومة فقط. ورغم ما أبدته إدارة ترامب من بعض الضيق تجاه سلوك نتنياهو، إلا أنها لم تبدِ اعتراضاً أو إدانةً لهذا السلوك الذي ينتهك وقف إطلاق النار يومياً، ما ألقى ظلالاً من الشكّ العميق في مقاصد تشكيل هذا المجلس، ما دام الطرف الراعي يغضّ النظر عن حرب متواصلة يشَنّها طرف واحد.

ثم جاء منع الاحتلال لجنة إدارة غزّة من الدخول إلى القطاع، ليكشف تعامل تل أبيب مع المجلس، إذ تفرض رؤيتها الخاصّة لهذا المجلس على الأرض، من غير أن تبدي واشنطن اعتراضاً علنياً، أو تتخذ أيّ إجراء. كذلك الحال في معبر رفح وانتقال الأشخاص ودخول المساعدات، إذ يفرض جيش الاحتلال أجندته فيمنع دخول المساعدات من معبر رفح، ويبرمج عددَ الداخلين إلى القطاع والخارجين منه، فتكون فئة المغادرين أكبر عدداً من الداخلين.

وبينما استمر الوضع في غزّة على سوئه بعد إعلان وقف إطلاق النار وتشكيل “مجلس السلام”، ضاعفت سلطات الاحتلال إجراءاتها في الضفة الغربية المحتلّة، وأعلنت ضمّ أراضي الدولة (الأراضي الأميرية كما تسمّى في الضفة الغربية) إلى سلطات الاحتلال، وأعلنت خضوع جميع المناطق بما فيها المنطقة “أ” للسلطتَين العسكرية والإدارية الإسرائيليتين، وهو ما يعني ضمّاً فعلياً للضفة الغربية وإنهاءً لدور السلطة الفلسطينية فيها بوصفها كياناً سياسياً وقانونياً وإدارياً. كان هذا هو الردّ الإسرائيلي على الآمال المعلّقة بمجلس ترامب للسلام، وردّاً على اعتراف دول أوروبية عديدة بالدولة الفلسطينية. وقد صدرت بيانات موجزة عن البيت الأبيض تفيد بعدم تأييد الضمّ. بيد أن هذه البيانات لم تطالب حكومة نتنياهو بوقف إجراءاتها، ولا دعت إلى التراجع عنها، ولم يتطرّق ترامب بنفسه إلى هذا التطوّر الخطير الذي يجعل من السلام مسرحيةَ خداعٍ هزلية. وحصيلة ذلك أن الاحتلال ماضٍ في إجراءاته، بينما تمضي الإدارة الأميركية في ترويج “مجلس سلام” يستكثر على غزّة والضفة الغربية الإتيان على ذكرهما في وثيقة الإعلان عن هذا المجلس العتيد، الذي يضمّ مجرم الحرب نتنياهو ولا يضمّ أيَّ مسؤول فلسطيني، وكأنّ السلام سيُبرم بين الإسرائيليين أنفسهم، وذلك وحده كافٍ للتشكيك العميق في الأهداف الفعلية لهذا المجلس.

وبينما يتضوّر أبناء غزّة جوعاً وعطشاً ويتعرّضون بين ساعة وأخرى لقذائف نتنياهو القاتلة، يودّ الرئيس ترامب القفز إلى إعمار القطاع فوراً، بالدعوة إلى تمويل الإعمار، مع إعفاء مَن هدموا أربع مدن في القطاع على رؤوس أصحابها من ضريبة تمويل إعادة البناء. فلنتنياهو أن يقصف ويدمّر كما يشاء، فيما على الآخرين واجب تمويل إعادة بناء ما هدمه هذا الشخص.

في هذه الأثناء، تتطلّع الأنظار إلى الدول العربية والإسلامية المشارِكة في مجلس ترامب إلى تصويب برنامجه التنفيذي، بكفّ يد حكومة نتنياهو عن تدخّلاتها الفظّة في هذا المسار، وتمكين لجنة التكنوقراط من الدخول ومباشرة عملها (معظم أعضائها من أبناء غزّة)، والبدء التدريجي بدخول قوات شرطة فلسطينية مدرّبة في مصر والأردن إلى القطاع، لا تمكين عصابات محلّية عميلة لتل أبيب من بسط سيطرتها، مع إفساح المجال لطلائع قوة الاستقرار من إندونيسيا وباكستان بالدخول إلى القطاع من أجل إخلاء الأمن وتأمين دخول القدر الأكبر من المساعدات بصورة يومية، والانتقال بعدئذ إلى خطّة إعمار غزّة بالاستناد أساساً إلى الخطة العربية والإسلامية التي وضعتها مصر، ولقيت أكبر قبول إقليمي ودولي، ويترافق ذلك مع حلّ مسألة السلاح بتفاهم عربي فلسطيني، وبما ينزع آخر الذرائع عن القوة الغازية الغاشمة، ولضمان انسحاب هذه القوة بغير تأخير.

من المحظور كلّياً أن تتحوّل خطّةُ ترامب إلى خطّةٍ إسرائيلية، أو في خدمة الأهداف التوسّعية لحكومةٍ من أشدّ الحكومات تطرّفاً وعنصرية في العالم. ولا ريب أن سائر الأطراف العربية والإسلامية، ودولاً أخرى صديقة، تدرك أن نتنياهو يسعى إلى ضرب آمال السلم بمقتل، وذلك بمحاولاته المكشوفة للموافقة لفظياً على الخطّة، مع سعيه لجعلها غطاءً لخطة إسرائيلية قائمة على جرائم الاستيلاء على الأراضي والتنكيل الدموي بالرازحين تحت الاحتلال.

ولأن السلام يستحقّ عناء العمل من أجله، فواشنطن مطالبة بإلزام الطرف المحتلّ بالكفّ عن سلوكه الإجرامي، والتوقّف عن خططه التوسّعية والتراجع عنها، والاعتراف خلال ذلك بحقوق شعب فلسطين بالحرية والكرامة الوطنية على أرضه، وبتمثيل نفسه بنفسه أسوة بشعوب الأرض كافّة.

تتطلع شعوب منطقتنا في هذه الآونة إلى سلام يعمّ لبنان وسورية والسودان، ويشمل إيران والأراضي الفلسطينية المقدّسة (يكتب توماس فريدمان في “نيويورك تايمز” أن نتنياهو يُبقي واشنطن مركّزة في التهديد النووي والصاروخي الإيراني. ورغم أهمية ذلك، كما يقول الكاتب، فإن هدف نتنياهو صرف الأنظار عما يجري في الضفة الغربية وغزّة). سلام تتراجع معه التعدّيات العسكرية اليومية، والتحريض على الحرب هنا وهناك، والانتقال من “مجلس للسلام” إلى واقع سلمي على الأرض يأتلف فيه الرفاه مع الكرامة والتنمية مع العدالة، ولا يُكافأ فيه المجرمون على جرائمهم.

مقالات ذات صلة