عام على الرزاز: انصهارٌ في النهج وانسدادٌ في الأفق

حرير – «لا ملقي ولا رزاز، ما بدنا حكومة برواز». كان هذا أحد الهتافات التي هُتفت على الدوار الرابع حين كلف الملك عبد الله الثاني، عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة قبل عام من الآن، بعد أن استقالت حكومة هاني الملقي على وقع الاحتجاجات الشعبية المناهضة لقانون ضريبة الدخل ورفع أسعار المحروقات. لكن رغم ذلك، استبشر الكثيرون خيرًا بتعيين الرزاز رئيسًا للوزراء، وطالب البعض الشارع بإعطائه فرصة، متأمّلين ألا تكون حكومة الرزاز كسابقاتها من حكومات الملك عبد الله، حكومة بلا ولاية عامة.

كان الرزاز عند تكليفه أحد أكثر رؤساء وزراء الملك عبد الله الثاني شعبية، وكان لهذا أسباب عدة. فالرجل إضافة إلى إرث عائلته لم يكن محسوبًا على نادي الحكم المعتاد، فلا سندًا عشائريًا وراءه، ولا هو ينتمي بشكل مباشر لطبقة المنتفعين من الانفتاح الاقتصادي، التي كثيرًا ما اتهم رجالها بأنهم استفادوا من هذا النهج على حساب الغالبية العظمى من الناس، ولا هو من رجالات معاهدة وادي عربة الذين تمت مكافأتهم بمناصب عليا خلال العقدين الماضيين. فمع هذا الحال، أصبح من الكافي أن يكون رئيس الوزراء «نظيف» (أي ببساطة غير فاسد) ليحظى بشعبية واسعة وإن كان موظفًا في مؤسسة ساهمت برسم شكل الاقتصاد الأردني كما هو عليه اليوم، وهتفت الناس في الشوارع ضد سياساتها التي ساهمت في إفقارهم. إضافة لهذا، حصل الرزاز بدماثته ولطفه، خاصة خلال توليه وزارة التربية والتعليم، على رصيد شعبي مجاني قبل أن يدخل مكتب الرئاسة، منحه إياه سلفه هاني الملقي الذي كثيرًا ما شعر الناس بتعاليه على همومهم وأوجاعهم.

في تموز من العام الماضي، أجرى مركز الدراسات الاستراتيجية، القريب من الحكومة، استطلاعًا للرأي لقياس قدرة حكومة الرزاز على تحمل مسؤوليات المرحلة القادمة، ثم عاد وأجرى استطلاعًا آخر بعد 100 يوم على تشكيلها. أبدى 81% من العينة الوطنية في الاستطلاع الأول تفاؤلهم بتكليف الرزاز لتشكيل الحكومة واعتقد 69% من العينة الوطنية بأنه سيكون قادرًا على تحمل مسؤوليات المرحلة القادمة. بعد 100 يوم، انخفضت هذه النسبة إلى 49%.

كيف إذن «أدار» الرزاز الدولة خلال عام من تكليفه، ولماذا تراجعت شعبيته بهذا الشكل؟ وماذا يعني سياسيًا فقدان القصر لورقة الرزاز؟

حكومة أم لجنة تسيير أعمال؟

حصلت أول هزة لتفاؤل الناس بالرزاز منذ الأسابيع الأولى لتكليفه، فقد أبقى في فريقه الوزاري على 15 وزيرًا من حكومة هاني الملقي، ثم قدمت حكومته صيغة معدّلة لقانون ضريبة الدخل كانت قريبة جدًا من مشروع الملقي، مما دل على استمرار نهج نزع الولاية عن منصب رئيس الوزراء واستقلاليته في اختيار فريقه الوزاري، وعلى مدى قدرته على مقاومة شروط صندوق النقد الدولي والجهات المقرضة والذهاب بالبلاد لتشكيل نمط اقتصادي جديد ومختلف عن السائد. ساهمت هاتان المسألتان بشكل مباشر في بدء تبخر الثقة الوليدة برئيس الوزراء الجديد، والتشكيك باستقلاليته ومدى تمايزه عمن سبقوه. وكان هذا جليًا في الطريقة التي قوبل بها وزراؤه في جولاتهم الميدانية في المحافظات لمناقشة مشروع قانون الضريبة.

تَمسّك الرزاز بمسار من سبقه من رؤساء وزراء بالتعامل مع تبعات ونتائج النهج الاقتصادي للمجموعة الحاكمة دون خروج عن النص. فقد تعامل مع الأزمة الاقتصادية تعاملًا تقنيًا منزوع السياسة، أو هكذا حاول أن يصوره. فقد سعى الرزاز لإظهار نفسه وحكومته على مدار العام باعتبارهم خبراء تم استدعاؤهم للتعامل مع أزمات عليهم إيجاد الحلول لها، مغيبًا البعد السياسي لهذه الأزمات، ومحافظًا على منصب رئاسة الوزراء باعتباره مسيّرًا لأعمال المجموعة الحاكمة، دون أن تقدم حكومته برنامجًا سياسيًا مغايرًا لبرنامج القصر ومتمايزًا عن النهج الذي طالب الناس بتغييره. ونظرة عامة على عام الرزاز الأول والوقوف على المسار الذي سلكه يظهران هذا الانصهار في النهج القائم.

كثيرًا ما تحدث الرزاز عن «خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات» كحل تقني لسد العجز في الموازنة، دون الالتفات إلى أن هذه الإجراءات سياسية قبل كل شيء، جاءت كتطبيق لتوصيات صندوق النقد الدولي التي هيمنت على البلاد منذ ثلاثين عامًا؛ توصيات سعى الرزاز لتثبيتها والتأكيد على أن الخضوع لها فيه مصلحة للبلد، كما صرح في لقاء الجامعة الأردنية حين قال «نحن نسعى إلى تطمين الجهات المانحة والجهات المقترضة» وأن «هذه هي مصلحة الأردن». ففي حين طالب الرزاز ووزراؤه الناس بالإبداع والتفكير خارج الصندوق، لم يبتعد الرزاز نفسه عن ما جاء به مَن سبقوه على مدار الثلاث عقود الماضية.

تظهر بيانات وزارة المالية أن الربع الأول من هذا العام قد سجل عجزًا ماليًا وصل بعد المنح إلى قرابة 300 مليون دينار، علمًا بأن العجز السنوي المقدر بعد المنح في قانون الموازنة العامة 646 مليون دينار، هذا يعني أن عجز أول ثلاثة شهور من العام بلغ نصف المبلغ المقدر تقريبًا من قبل الحكومة للعام كله. وما زالت الحكومة كسابقاتها تعتمد على الاستدانة والاقتراض لتمويل عجز الموازنة وخدمة الديون، تحديدًا الاقتراض الداخلي المكلف والمرتفعة فوائده، حيث اقترضت الحكومة من البنوك المحلية أكثر من 600 مليون دينار، ليظهر صافي الدين العام في نهاية شهر آذار لهذا العام ارتفاعًا بمقدار 645 مليون دينار عن مستواه في نهاية عام 2018.

لم يفكر الرزاز بمساءلة نهج الحكم الذي أوصل البلاد إلى هذه الأزمة بل تحول إلى سكرتير لإدارته، منصهرًا هو وحكومته فيه انصهارًا تاما. 

وكغيره من رؤساء حكومات الملك عبد الله الثاني، لجأ الرزاز إلى الاعتماد على الإيرادات الضريبية لرفد الخزينة بالأموال، امتدادًا لنهج تعمّق قبل عقدين، زادت فيه الإيرادات الضريبية في الموازنة العامة إلى أكثر من 420%، حيث بلغت في موازنة الرزاز أكثر من 5.2 مليار دينار بعد أن كانت في بداية الألفية تبلغ قرابة المليار دينار أردني. واستمر الاعتماد على ضريبة المبيعات لتشكل 68% من مجمل الإيرادات الضريبية في موازنة الرزاز، بزيادة 400 مليون دينار عن المعاد تقديره في موازنة الملقي. هذا الاعتماد يرهق الفقراء والطبقات الوسطى أكثر من الأغنياء لكون المبيعات ضريبة ثابتة بغض النظر عن دخل الفرد.

لم يستمع رئيس الوزراء للأصوات التي حذرت من عدم قدرة الحكومة على تحصيل هكذا مبالغ في ظل الانكماش وتراجع الاستهلاك. وبالفعل، فشل الرزاز في تحصيل المقدر على معظم أنواع الإيرادات الضريبية في الربع الأول من العام. حيث شهدت ضريبة المبيعات والجمارك إضافة إلى ضريبة بيع العقار انخفاضًا في إيراداتها مقارنة مع الربع الأول من العام الماضي بنسب متفاوتة، وسجلت إيرادات ضريبة بيع العقار انخفاضًا وصل إلى 23% عن الفترة نفسها من العام الماضي. عزا وزير المالية عز الدين كناكرية تراجع الإيرادات الضريبية عن ما تم تقديره بـ100 مليون بالحد الأدنى إلى تغير عادات الناس الاستهلاكية. فكناكرية، كما رئيسه، يجيد لعبة رمي الكرة في ملعب الغير، إذ أن أي شيء في العالم قد يكون مسؤولًا عن أصغر الأخطاء وأكبر الأزمات في بلادنا، إلا نهج السلطة ورجالاتها وعدم فهمهم لديناميكيات الواقع المحلي.

بعض أنصار الرزاز باتوا يبررون عجزه بالقول إن الرجل قادر على توصيف المرض لكنه لا يملك العلاج له. لكن هذا التبرير مخطئ إذ لا يرى أن الرزاز يوصّف الأزمات بما يتوافق مع توصيف النظام السياسي التاريخي لها، بوصفها أزمات لا علاقة لها بنهجه السياسي والاقتصادي السائد. كثيرًا ما تحدث الرزاز عن الأزمات المتواصلة باعتبارها نتائج أخطاء إدارية وفنية، كالتوسع بالإنفاق في مرحلة معينة، أو الاستثمار في مشاريع لم تُدرس جدواها الاقتصادية، أو بردّها إلى عوامل خارجية، مثل اللجوء السوري أو انقطاع الغاز المصري والأزمة المالية العالمية، ما يذكر بكلام كل رؤساء الوزراء منذ عام 2011 لليوم. وفي بعض الأحيان، كان الرزاز يعولم المشاكل لنزع أي خصوصية محلية متعلقة بصناع السياسات ومن أداروا البلاد طيلة هذه الفترة، مثل توصيفه للفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء بكونها ليست خاصة بنا وحدنا بل هي «ظاهرة عالمية» (فلنقرأها «رأسمالية» فرئيس وزرائنا يبتعد عن استخدام هذه التوصيفات من منطلق أيديولوجي واعٍ).

لم يفكر الرزاز بمساءلة نهج الحكم الذي أوصل البلاد إلى هذه الأزمة بل تحول إلى سكرتير لإدارته، منصهرًا هو وحكومته فيه انصهارًا تامًا، سواء بتمويه أسباب الأزمات حينًا، و«اللف والدوران» أحيانًا. فإذا عزا كناكرية الفشل في تحصيل الإيرادات إلى تغير النمط الاستهلاكي للناس، فإن وزير الاتصالات مثنى غرايبة ادعى بأن «الإنترنت كان معبي الدوار الرابع» في الوقت الذي يدرك الآف الأردنيين بأن تشويشًا أو انقطاعًا مقصودًا للإنترنت جرى في محيط الدوار خلال احتجاجات كانون الأول الماضي. أما جمانة غنيمات، الناطقة باسم الحكومة والصحفية السابقة، فقد اعتمدت على أرقام ونسب الفقر التي تعلنها دائرة الإحصاءات العامة لكتابة مقالها «الأرقام لا تكذب: نحن فقراء» قبل دخولها الحكومة، في حين أجابت مذيع قناة المملكة «ماذا يهمك الرقم؟!» حين سألها عن سبب تأخر الإفصاح عن أرقام الفقر.

في أول مؤتمر صحفي له كرئيس وزراء بشرّ الرزاز بـ«عقد اجتماعي يضمن حق المواطن بالحصول على المعلومة»، متعهدًا بأن تقوم الحكومة بواجبها في الإفصاح والشفافية. بالمقابل، أخفت الحكومة نتائج مسح دائرة الإحصاءات العامة الخاص بالفقر الذي كان من المفترض أن يعلن عنها في تشرين الأول من العام الماضي. ووعد الرزاز بالإعلان عنها «خلال أسبوع أو أسبوعين أو أكثر» بعد أن وجهت له النائبة ديمة طهبوب سؤالًا في مجلس النواب حول الموضوع في آذار الماضي. وبعد شهر من تصريحه في المجلس، أعلن الرزاز عن نسبة الفقر المطلق فقط، وما زالت حكومته تخفي باقي نتائج المسح ونسب الفقر على مستوى المملكة والمحافظات والأقضية، إضافة إلى خط الفقر المدقع.

تحدث الرزاز مرارًا عن ضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة واصفًا إياه بـ«الخطير». لكن بإخفائها لأرقام الفقر، ساهمت حكومة الرزاز بسحب مخزون الثقة لدى المواطن حتى من دائرة الإحصاءات العامة. وكررت هذا في موضوع السيجارة الإلكترونية حين صرحت وزارة الصحة بأن أضرارها تعادل أضرار السجائر التقليدية، في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها خدمة لتوجه الحكومة بالمحافظة على الإيرادات الضريبية المحصلة من التبغ، مع أن العديد من الدراسات أثبتت عدم صحة كلام الوزارة. فالرزاز مسؤول عن تعميق حالة غياب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة الخدماتية والفنية وتكريس النهج السابق في التعامل مع هذه المؤسسات والقائمين عليها باعتبارهم موظفين عند النظام السياسي، لا موظفي دولة.

أجرى الرزاز ثلاثة تعديلات وزارية على حكومته، كان ثانيها على إثر حادثة البحر الميت، أقال فيه كلًا من عزمي محافظة، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، ولينا عناب وزيرة السياحة، وهو ما قُرأ بوصفه إلقاءً للمسؤولية على وزرائه لامتصاص الغضب الشعبي جراء الحادثة. وبعد أشهر تم تعيين عنّاب سفيرة في اليابان قبل أن تُكرّم بوسام الاستقلال الملكي من الدرجة الأولى. وفي آيار الماضي أجرى تعديلًا ثالثًا، عيّن فيه سلامة حمّاد وزيرًا للداخلية، الخطوة التي قرأها البعض باعتبارها مفارقة، بأن يأتي رئيس وزراء ليبرالي بشخص محافظ متشدد أمنيًا، لكنها لا تبدو مفارقة إذا رأينا أن الرزاز وحماد موظفان لهما أدوار مختلفة، لا عضوان في حكومة ذات برنامج سياسي واضح يجتمعان عليه.

على مستوى الحريات، استمرت حكومة الرزاز بالتضييق على مساحات التعبير السياسي كسابقاتها، وذلك بتمسكها بسن قانون الجرائم الإلكترونية، الذي لاقى معارضة شعبية وحزبية واسعة، مستخدمًا تبريرات حكومة هاني الملقي نفسها، والذي يهدف إلى كتم أصوات الناس وحماية السلطة ورجالاتها من أي انتقاد شعبي. وشهدت سنة الرزاز أكبر حملة منظمة لشيطنة مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، لا بل والتكنولوجيا نفسها، وتصويرها وكأنها شخص عدواني يهدد النسيج الاجتماعي الأردني ويسعى إلى تدمير قيمه ومنظومة أخلاقه. وأطلقت الحكومة منصة «حقك تعرف» ونصبت نفسها منبع الحقيقة في مواجهة ما أسمته بـ«الشائعات»، ونشرت في الشوارع لافتات ذات أسلوب مدرسي تحمل خطابات تحذيرية مثل «الإشاعة تدمر» و«الأخبار الكاذبة تحجب الحقيقة وتشحن النفوس»، أصبحت محل تندر وسخرية من قبل العديدين.

وشهد عام الرزاز تسييجًا للمساحة المقابلة للديوان الملكي؛ مكان اعتصام مجموعات من المتعطلين عن العمل، التي كانت قد تجاوزت كل المؤسسات الوسيطة لتذهب مباشرة لمخاطبة الملك، وهذا يدلل مجددًا على غياب الثقة بقدرة الرزاز على الفعل والتعامل معه مثل غيره من رؤساء الوزراء السابقين. وبتسييج تلك المساحة، يكرس الرزاز الذي التزم بضمان حرية المواطن بالتعبير نهجًا بدأ منذ عام 2011 سيج فيه عدد من الدواوير والساحات العامة لمنع الاحتجاج فيها.

شهدت سنة الرزاز أكبر حملة منظمة لشيطنة مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، لا بل والتكنولوجيا نفسها، وتصويرها وكأنها شخص عدواني يهدد النسيج الاجتماعي الأردني.

أمنيًا، شهد عام الرزاز الأول عودة دائرة المخابرات العامة إلى سابق عهدها قبل عام 2011 بسطوتها على المجال السياسي. استدعاءات وتهديدات بالجملة، واعتقالات لنشطاء سياسيين وحزبيين وأشخاص مهتمين بالشأن العام، إضافة إلى تضييق تام على الصحافة والصحفيين. وشهد عام الرزاز تضييقًا لمساحة العمل السياسي والتعبير عن الرأي من خلال جولات من الاعتقالات، بدءًا من اعتقالات تشرين الأول من العام الماضي إثر بيان ووقفات «لجنة المتابعة الوطنية»، مرورًا باعتقالات كانون الأول من العام نفسه مع عودة الاحتجاجات المناهضة لإقرار قانون ضريبة الدخل، وصولًا إلى الاعتقالات الحالية. حيث تعتقل السلطات اليوم أكثر من 15 ناشطًا سياسيًا بسبب هتاف أو تعليق على منصات التواصل الاجتماعي وتوجه لبعضهم تهم مثل «إطالة اللسان على الملك» أو «تقويض نظام الحكم». ومنعت قوات الأمن اعتصامًا لأهالي المعتقلين وعددًا من النشطاء أمام المركز الوطني لحقوق الإنسان لثلاث مرات خلال الأيام الماضية ومنعتهم من الوصول للمركز وتسليم رسالة له، مما دفع بموظفي المركز لتنظيماعتصام داخل ساحته احتجاجًا على الطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية مع الأهالي والمعتصمين. قبل أن يعتصم أهالي المعتقلين مرة رابعة أمس الأحد، انتهت بفض الاعتصام واعتقال أكثر من 20 شخصًا أطلق سراحهم بعد ساعات.

لإخفاء كل هذا التماهي مع النهج السائد وخدمته والدفاع عنه، حاول الرزاز أن يتمايز عن سابقيه من رؤساء الوزراء بالخروج من القوالب التقليدية، بتوظيفه مهاراته التواصلية المباشرة وابتسامته الدافئة وخطاب الإيجابية وقربه من الشباب وعقده العديد من اللقاءات معهم. كما عزز الرزاز إعلاميًا من حضوره كمراقب للخدمة العامة وأب للمبادرات الإبداعية، فتارة تجده داخل إحدى حافلات مجمع الباصات متحدثًا مع ركاب تهدر منظومة النقل المتردي أوقات فراغهم المحدودة، وتارة تجده في مؤسسة عامة يوبخ موظفيها الذين كثيرًا ما يُلامون لـ«استنزاف» رواتبهم لموازنة الدولة، وتارة أخرى تجده على إحدى إشارات عمان يوزع التمر والماء على الصائمين كراعٍ للحملات التطوعية المجتمعية.

فشل الرزاز في عامه الأول في استعادة الحد الأدنى من استقلالية منصب رئاسة الوزراء ودوره السياسي، وكثيرًا ما ظهر أمام الرأي العام وكأنه رئيس بلدية أو أمين عام وزارة أو مسؤول خدمة عملاء. لدرجة أن أحد الأصدقاء كان يتساءل عن سبب عدم خصخصة هذا المنصب وتسليمه لشركة كي تدير أعماله، بما يتوافق مع نهج الحكم.

سياسيًا، ماذا يعني ذلك؟

لنكن صريحين مع أنفسنا، إن منصب رئاسة الوزراء في النظم الأوتوقراطية الفردية كحال نظامنا السياسي، مخصخص بشكل أو بآخر، فهو شأن خاص للحاكم ويمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا للشؤون المنزلية للملك، يديره كما يدير أي أب في مجتمع أبوي شؤون منزله. وهذه السمة لا تقتصر فقط على الحاكم بل تحولت إلى نمط يحكم كل العلاقات السياسية الفوقية التي باتت علاقات شخصية لا تمييز فيها بين الخاص والعام. منطق الحكم هذا، المغلقة طرق المشاركة والمساءلة فيه لم يتغير حتى مع حكومة جاءت على إثر احتجاجات شعبية، وصُور قدومها على إنه إصلاح نوعي من الداخل.

عدم نجاح الرزاز، يعني سياسيًا، أن قدرة القصر على إعادة إنتاج الإصلاحات الشكلية من الداخل وصلت إلى مداها. وتراجع شعبية الرزاز أو فشله بإقناع الناس به، تلقائيًا سيقوّض نهج التعيين، وهذا يعني أمرًا من أمرين في السنوات القادمة: إما العودة إلى الوراء وإغلاق كل المساحات والتأسيس لمرحلة يكون فيها القمع منفلتًا من عقاله، ولا أحد منّا يضمن تبعاتها، أو الذهاب باتجاه تغيير جذري وحقيقي في شكل الحكم.

الاحتمال الأول يعني أن يتمسك النظام السياسي بالمقولة الاستعمارية التي طغت على شكل الحكم خلال المئة عام الماضية ومفادها أن هذا الشعب غير مؤهل أن يحكم نفسه بنفسه، تمامًا مثلما قال كوشنر منذ أيام عن الشعب الفلسطيني بأنه غير جاهز لتقرير مصيره. أما الثاني فيعني مشاركة الناس في الحكم عن طريق ممثلين لهم القول الفصل في اختيار رئيس وزرائهم ويؤسسون لنهج سياسي واقتصادي جديد. فالملكية في الأردن بعد مائة عام على تأسيسها أمام مفترق طرق، بعدما طرأت تغييرات عديدة على قواعدها. فالتوزيع الريعي القائم على التوظيف والخدمات، الذي كان يضمن ولاء ما، لم تعد المحافظة عليه ممكنة ماليًا واقتصاديًا، وستبقى المؤسسات المالية الدولية تضغط حتى تنهيه بالمطلق. والزبائنية التي كانت تحكم علاقة النظام بالنخب التقليدية تعرضت لهزات أفقدت هذه النخب قدرتها على تأدية دورها بالوساطة بين الناس والحاكم، إضافة إلى أن كل المؤسسات التمثيلية أو الوسيطة من برلمان وحكومة وقوى سياسية، إما تبخرت ثقة الناس بها تمامًا أو أنهكها النظام ففقدت قدرتها على التمثيل.

لا يعني ذلك أن الفرصة للمضي في تثبيت أسس آمنة لمستقبل بلادنا قد فاتت، لكن هذا يتطلب حسًا وطنيًا ومسؤولية جماعية، بدءًا من إفساح المجال لخوض حوار وطني شامل يفضي إلى اتفاق جمعي على الشكل الديمقراطي للملكية الذي نريد أن نؤسس له في مرحلة ما بعد المئوية، وتذهب الأحزاب والقوى السياسية، القائمة والتي ستتشكل في هذا المسار، إلى الانتخابات النيابية المقبلة عام 2020 وفقًا لذلك.

إن الوقوف في وجه أي تهديدات خارجية، مثل ما يسمى اليوم «صفقة القرن»، أو اضطرابات سياسية داخلية يمر بالضرورة عبر التشارك في الحكم لضمان وحدة الصف واستقرار الملكية وحمايتها، أي إعادة الاعتبار للركن النيابي لنظام الحكم، وتخلي الملك عن جزء من صلاحياته الواسعة لرئيس الوزراء. إنه الحل الوحيد الممكن والآمن اليوم بعد قرابة 10 عقود على تأسيس الدولة، وعقدين على حكم الملك عبد الله الثاني. أما التعويل على مقولات هشة كالأمن والأمان التي تفقد فعاليتها يومًا بعد يوم مع اتساع الفقر والبطالة، فإنه لن يجدي نفعًا. يخبرنا هادي العلوي نقلًا عن أبو حيان التوحيدي أن رجلًا عاديًا يدعى ابن سيابة، شكا الفقر فقالوا له: «احمد ربك الذي رزقك الإسلام والعافية. فقال: نعم ولكن بينهما جوع يقرقر الكبد».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة