
اعلام المستقبل لا تصنعه المؤتمرات.. بل تحريره من قيود الحكومات
حازم عكروش
الجميع يعرف ما يحتاجه الإعلام، لكن ما ينقصه هو القرار والتنفيذ.
والحكومة، التي تتصدر هذه المؤتمرات وتعلن في كل مناسبة حرصها على تطوير الإعلام، مطالبة بأن تجيب بلا مواربة: ماذا أنجزت فعليًا، غير تنظيم اللقاءات وترديد الشعارات والتقاط الصور التذكارية؟
ووزير الاتصال الحكومي، الدكتور محمد المومني، الذي يشارك باستمرار في هذه المؤتمرات، يكرر خطابًا ثابتًا عن الدراية الإعلامية والتحقق من الأخبار وعدم التضحية بالمصداقية لصالح السرعة.
لا خلاف على أهمية هذه المبادئ، لكن ترديدها لا يصنع إعلامًا متقدمًا، ولا ينقذ مؤسساته، ولا يوسع هامش حرياته.
المصداقية لا تُفرض بالمواعظ، بل تُبنى بقوانين تحمي الصحفي، ومؤسسات مستقلة، وقيادات مهنية، وإرادة حكومية تترجم الكلام إلى قرارات ملزمة.
المفارقة أن الحكومة تتحدث عن مستقبل الإعلام، بينما تمسك هي نفسها بجزء كبير من مفاتيحه: التشريعات، والسياسات، وإدارة المؤسسات الإعلامية الرسمية، وحدود استقلالها. لذلك لا يمكنها الاختباء خلف دور المنظم أو الراعي للمؤتمرات؛ فهي مسؤولة مباشرة عن إزالة العوائق التي تمنع قيام إعلام حر ومهني يخدم الدولة والمجتمع، لا الحكومات والمسؤولين.
الخطوة الأولى في أي إصلاح جاد هي مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية وتعديل مواده التي تقيد التعبير أو تفتح باب الملاحقة بسبب النقد. لا يمكن الحديث عن إعلام مهني في ظل خوف الصحفي والمواطن من تبعات إبداء الرأي. المطلوب رفع سقف الحريات الإعلامية والعامة، وحماية حق المواطنين في المعرفة، وضمان قدرة الصحفيين على أداء عملهم دون تهديد أو ترهيب.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في إعادة النظر جذريًا في قيادات الإعلام الرسمي وآليات اختيارها. يجب أن تكون الكفاءة والخبرة والسجل المهني معيار التعيين، لا الولاء أو العلاقات أو الحسابات الضيقة. كما يجب منح المؤسسات الإعلامية استقلالًا ماليًا وإداريًا وتحريريًا حقيقيًا، لا استقلالًا شكليًا ينتهي عند أول توجيه حكومي.
الإعلام الذي يخدم الدولة ليس إعلامًا يصفق للحكومة، بل إعلام يراقب أداءها، وينقل الحقيقة، ويكشف الخلل، ويمنح المواطنين حقهم في المعرفة. الدولة أكبر من أي حكومة، والمصلحة الوطنية أوسع من مصالح الوزراء. أما الإعلام الذي يبرر الأخطاء ويطمس الحقائق، فلا يحمي الدولة؛ بل يحرمها من فرصة التصحيح، ويقوض ثقة الناس بمؤسساتها.
ولنضع حدًا أيضًا لهوس الصور التذكارية والاستعراضات الإعلامية التي تُستخدم أحيانًا للتغطية على غياب الإنجاز. ليس إنجازًا أن يجتمع المسؤولون لمناقشة مستقبل الإعلام ثم ينفضّ الاجتماع من دون قرار يغير واقعًا، أو يزيل قيدًا، أو يعزز استقلال مؤسسة. لسنا بحاجة إلى صورة جديدة من مؤتمر جديد؛ نحن بحاجة إلى قرار شجاع يثبت أن الإصلاح بدأ فعلًا، لا إلى مناسبة أخرى تؤجل الأزمة وتعيد إنتاجها.
الحكومة ليست الطرف الوحيد المسؤول عن تطوير الإعلام، لكنها الطرف الذي يملك أدوات أساسية لتهيئة بيئته. ولهذا عليها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تتوقف عن تقديم نفسها بوصفها مراقبًا محايدًا لأزمة تملك مفاتيح حلها. لا يكفي أن تعترف بالمشكلة أو تتحدث عن الإصلاح؛ المطلوب أن تستخدم صلاحياتها لتغيير القوانين، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية الحريات.
كفى حديثًا عن إعلام المستقبل من دون إصلاح الحاضر. نريد إعلامًا لكل الناس، لا للوزراء؛ إعلامًا يخدم الدولة، لا الحكومات؛ وإعلامًا ينقل الحقيقة، لا يلمّع القرارات. فمستقبل الإعلام لا تصنعه المؤتمرات ولا الصور التذكارية، بل تصنعه حرية حقيقية، واستقلال مؤسسي، ومحاسبة واضحة، وقرارات حكومية شجاعة



