هل كان السابع من أكتوبر حدثاً تاريخياً استراتيجياً؟

أحمد عويدات

حرير- قد تختلف الآراء حول قضية أو حدث ما، وقد يتخذ النقاش أو الحوار مساراً آخر، لا يمكن لأقطابه الالتقاء على نقطة واحدة. بالتأكيد إن مبعث ذلك هو المنطلق الأيديولوجي لكل رأي ولكل محاور، وربما الخلفية الحزبية أو التنظيمية لهما، لكن تبقى الحقائق قائمة ولا يمكن إخفاؤها..

لا شك في أن هذا ينطبق على زلزال السابع من أكتوبر، لا ضير في وصف الحدث بذلك، سواء اتفق المتفقون أو اختلف المختلفون. والسؤال هنا ما الذي يجعل من هذا الحدث زلزالا؟ دلالات ذلك كثيرة على جميع الصعد والمستويات والأطراف؛ أولها أن هذا الحدث لا بد أنه دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية من حيث مدته الزمنية، فهذه الحرب الهمجية استمرت لثلاث سنوات، ومن حيث رقعة حدوثه على قطعة من الارض مساحتها لا تزيد عن 365كم² وأكثرها كثافة سكانية حيث يقطنها 2.2 مليون ساكن، ومن حيث القذائف والقنابل التي ألقيت عليها، حسب المحللين العسكريين، بلغت ضعفي ما أُلقي على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.

وهناك أرقام غير مسبوقة سُجلت في ما يتعلق بأعداد الشهداء من الأطفال والنساء والأطباء والطواقم الطبية والدفاع المدني والصحافيين الذين استهدفوا من قبل قوات الاحتلال، كذلك هناك أرقام استثنائية في عدد الجامعات والمدارس والمشافي ودور العبادة والمرافق العامة والإدارات الحكومية ومقرات المنظمات الأممية والدولية التي دُمّرت.

في البعد الدولي، لم يكن زلزال أكتوبر 2023 حدثاً عابراً؛ إذ اكتسبت القضية الفلسطينية دماً جديداً جرى في عروقها فأحيا حضورها مجدداً على المسرح الدولي، من خلال اعتراف نحو 160 دولة رسمياً بدولة فلسطين، والذي ترافق مع تنامي الدعم والتأييد والتضامن مع الشعب الفلسطيني من قبل شعوب العالم في قارات العالم قاطبةً، الذي نظمته النقابات والاتحادات والأحزاب والهيئات والمنظمات والروابط العالمية. وعلى الصعيد الشعبي أيضا، عجت شوارع العالم، وتحديداً في أوروبا وأمريكا، بالمظاهرات والمسيرات المنددة بالإرهاب الصهيوني وأساليب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال من القصف بالطائرات والدبابات إلى التجويع والحصار، وتهديد الأمن الغذائي والصحي وجوانب الحياة كافة.

في المقابل، شهدت دولة الكيان عزلة دولية غير مسبوقة، حيث تنامت المقاطعة الاقتصادية للمنتجات والشركات الإسرائيلية. وتم قطع العلاقات الدبلوماسية، من قبل بعض الدول في أمريكا اللاتينية، ناهيك من الإجراءات التي اتخذها العديد من الدول، وكان آخرها التي اتخذتها بريطانيا وإسبانيا وأيرلندا وفرنسا وكندا ودول أخرى؛ حيث أظهرت هذه العزلة وحشية هذا الكيان ومستوطنيه والعقلية العدوانية الثأرية العنصرية التوسعية لقادة الاحتلال؛ هذا ما أكده حزب الخضر البريطاني مؤخراً، عندما اعتبر الصهيونية حركة عنصرية. كما طالبت هذه الدول بحل الدولتين، وإحقاق الحقوق المشروعة التاريخية للشعب الفلسطيني؛ ما جعل القضية الفلسطينية قضية قانونية شرعية، وليست مجرد قضية إنسانية. وشهد نبض الشارع الأمريكي والأوروبي خاصة، وفي باقي دول العالم تغييراً جوهرياً في الوعي المجتمعي السياسي عبّر عنه توجه سفن الحرية وأسطول الصمود الذي كان على متنه ناشطون من 70 دولة؛ لفك الحصار عن غزة، إضافة إلى المواقف التي عبر عنها طلبة وأساتذة الجامعات والأكاديميات العالمية، التي ظهرت في المظاهرات والمهرجانات والاعتصامات والمبادرات والفعاليات المختلفة، وتلك التي عبّرت عنها أيضا رموز وشخصيات عالمية كثيرة كان آخرها وليس أخيرها مغني الراب الأمريكي ماكليمور الذي خسر ملايين الدولارات وأُلغيت حفلاته، وانضم إليه لاحقاً إد شيرين، الذي حُورب من قبل المنظمات الصهيونية، وقبلهما العديد من الممثلين والفنانين والكتاب والرياضيين والصحافيين العالميين ومنهم، إفيفا تشومسكي الأمريكية التي حمّلت الكيان مسؤولية الإبادة الجماعية في غزة، ووصفتها بأنها «حاملة الطائرات التي لا يمكن إغراقها» في الشرق الأوسط، وقبلها والدها نعوم تشومسكي وإيلان بابيه المفكران اليهوديان، اللذان تحدثا عن السلوك العدواني والعنصري لإسرائيل، والجرائم التي ترتكبها ضد الإنسانية، وريتشارد جير الذي طالب الرئيس ترامب بوقف حرب الإبادة في غزة، والممثلة أنجلينا جولي التي زارت القطاع ونقلت صور التدمير ومعاناة الغزاويين هناك، والممثلة سوزان سرندون، التي فقدت الكثير من أعمالها لانتقادها الإرهاب الصهيوني، وأسطورة كرة القدم كريستيانو رونالدو الذي تحدث عن معاناة اطفال غزة من حصار التجويع ودعم حرية فلسطين، والصحافي البريطاني بيرس مورغان الذي كان شديد الانحياز لإسرائيل ثم فضح جرائمها ضد الأطفال، ورجل الأعمال دان بلزيريان الذي خسر عقوده ومصالحه مع مؤيدي الكيان.

لقد أكد زلزال أكتوبر الفلسطيني ما قاله الشهيد يحيى السنوار القائد العسكري لحركة حماس، «إن ما قبل السابع من أكتوبر ليس كما بعده». حيث أظهر جلياً للعالم مخططات الصهيونية الدينية المتطرفة، متمثلة في نتنياهو وقادة أحزاب اليمين سموتريتش وبن غفير، الرامية إلى تهجير الفلسطينيين وضم الأراضي الفلسطينية إلى ما يُسمى «يهودا والسامرة» والبدء بمخطط «إسرائيل الكبرى» شرقاً وغرباً، وشق قناة بن غوريون، والبده بطريق الحرير؛ ما دفع الكثير من الدول الإقليمية مطالبة المجتمع الدولي بالوقوف بوجه هذه المخططات الخطيرة التي تهدد أمنها واستقرارها، والتي تغيّر الجغرافيا والتاريخ الفلسطيني والعربي والإقليمي. كما كشف السابع من أكتوبر هشاشة عملية التطبيع التي سارت فيها بعض الأنظمة العربية، رغم رفضها من قبل شعوبها، وأوقف امتدادها إلى دول أخرى. وفي الوقت ذاته، كشف مواقف هذه الدول وتخاذلها وصمتها إزاء جرائم الاحتلال، بل مشاركة بعضها أحيانا بالدعم اللوجستي لعمليات جيش الاحتلال في غزة بشكلٍ أو بآخر. والتساؤل هنا، ماذا لو قطعت هذه الدول علاقاتها بدولة الاحتلال، وكان لها موقف سياسي مختلف في الأروقة الدولية؟ من ناحية أخرى، عرّى السابع من أكتوبر الكثير من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بانحيازها ودعمها الكامل لإسرائيل تحت ذريعة «الدفاع عن النفس»، حسب السردية الإسرائيلية الزائفة، التي روجت لها اللوبيات الصهيونية في دول الغرب، وأفضت إلى تزويد دولة الكيان بأحدث أنواع السلاح عبر جسر جوي متواصل من مستودعات جيوشها في المنطقة، وعملت على إسنادها لوجستياً واستخباراتياً؛ على اعتبار أنها تخوض معركة وجودها؛ هذا الموقف للإدارة الأمريكية تسبب بانقسامات حادة في المجتمع الأمريكي، وأيضا في الحزبين الجمهوري والديمقراطي حتى طال الانقسام أعضاء الكونغرس أنفسهم.

وعلى صعيد المقاومة، كان الطوفان حدثاً تاريخياً أكد قدرتها على تحقيق الانتصار ودحر الاحتلال وتحقيق معادلة جديدة في الصراع بصمودها الأسطوري، والتفاف الحاضنة الشعبية الفلسطينية حولها ومن ورائها الشعوب العربية المضطهدة والمُتحكّم بها من قبل الأنظمة، لو توفر لها الدعم والإمداد الكافي بالسلاح من قبل هؤلاء، وعملت على كسر الحصار المفروض عليها منذ نحو 20 عاما، «ولو دخل حزب الله المعركة في السابع من أكتوبر مع حركة حماس لكان اللقاء في تل أبيب»، كما ذكر ذلك اللواء إيغورا آيلاند رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق.

بالتأكيد لم يكن حدثاً عابراً؛ إذ أنه للمرة الأولى يُقدّم قادة الاحتلال إلى المحاكم الدولية بتهم ارتكابهم جرائم حرب بحق الإنسانية متجاوزين كل الخطوط الحمر التي وثقتها الشرائع والقوانين الدولية، وأصبحوا مطلوبين للعدالة الدولية؛ وعليه، اتخذت القضية الفلسطينية بُعداً قانونياً وجنائياً عالمياً جديداً لم تشهده من قبل. أما على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، فقد أحدث طوفان الأقصى انقسامات حادة داخل المجتمع الإسرائيلي والأحزاب الإسرائيلية، ما زلنا نشهد ضراوتها حتى اليوم من خلال استقالة العديد من السياسيين والضباط في السلك الأمني والعسكري للاحتلال. ومن خلال مطالبتهم بتقديم نتنياهو إلى المحاكمة بتهم التهاون والفساد، وعدم القدرة على إدارة البلاد وسط هذا الحدث الكبير. وما حمى الانتخابات والتراشقات النارية التي يشهدها الكيان هذه الأيام إلا دليل على حدّة هذه الانقسامات.

ومن آثار هذا الزلزال الكبير أرقام الهجرة المعاكسة المتزايدة من دولة الكيان، وارتفاع معدلات التضخم والخسائر في القطاع السياحي والاقتصادي الإسرائيلي، وانسحاب الكثير من شركات التكنولوجيا العالمية، والخسارة الكبيرة التي مُني بها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفقدان هيبته كأقوى جيش في المنطقة لعدم قدرته على تحقيق أهداف حربه النازية كاملةً.

في المقابل شهد الشارع الفلسطيني تجاذبات ومواقف عديدة تراوحت بين التأييد والإحجام عن استمرار تأييد هذا الزلزال، واختباء البعض وراء حسابات تنظيمية ضيقة، كشفت زيف انتمائهم الوطني وانحيازهم إلى المعسكر المعادي للمقاومة، بينما انفردت السلطة بحساباتها السياسية والبراغماتية، للحفاظ على وجودها الذي بات مهددا بكل جوانبه إسرائيلياً وأمريكياً، لكن ما يجري في الضفة الغربية منذ أشهر وحتى الآن، يعكس ارتدادات زلزال السابع من أكتوبر، ويؤسس لمرحلة تكاد تكون أخطر ما خطط له قادة الاحتلال.

من نافل القول، إن حدثاً تاريخياً استثنائياً بهذا الحجم من التأثير كانت له كلفة باهظة على الشعب الفلسطيني في غزة، فقد دُمّر أكثر من 90% من القطاع وبنيته التحتية، واستشهد نحو 74 ألفاً بينهم قادة من الصف الأول والثاني، وحوالي 174 ألف جريح، وبقاء نحو مليوني فلسطيني يتجرعون معاناة العصر والهولوكوست الصهيوني بكل أشكال الإبادة والتطهير العرقي والحصار والتجويع والتعطيش، ومنع إدخال الأدوية والمعدات وبقاء جثامين آلاف الشهداء والمفقودين تحت أنقاض وركام الأبنية المدمّرة، لكنها النتيجة الطبيعية لمقاومة المحتل والذود عن الأهل والأرض. إنها فاتورة منشدي الحرية المسجلة في ملفات التاريخ؛ حتى لا يُسجّل أن شعباً مثل الشعب الفلسطيني لم يقاتل، ولم يصمد هذا الصمود الأسطوري لتغيير معادلات الصراع ويؤسس لحياة الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة