
الأمم المتحدة.. مؤسّسة 1945 في عالم 2026
طلال أبو غزالة
حرير- في الحديث عن أزمة الأمم المتحدة، ليست المشكلة ببساطة في أن المنظمة أصبحت ضعيفة، فالمسألة أعمق. المؤسسة الدولية التي تأسّست في النصف الأول من القرن الماضي، في عالم خرج لتوّه من حرب عالمية، فيما نعيش اليوم في عالم آخر تماماً، تغيرت فيه موازين القوة، وتبدلت المصالح، وظهرت قضايا لم تكن موجودة عندما وضعت الأمم المتحدة مداميكها. أقول هذا من موقع مَن عرف الأمم المتحدة من قرب، وشغل فيها عدة مهام ومواقع، وترأس أكثر من 14 فريق عمل ومبادرة دولية. ولذلك عندما أنظر إلى النقاش الدائر اليوم في مستقبل المنظمة، لا أنظر إليه باعتباره نقاشاً نظريّاً عن مؤسّسة دولية بعيدة، بل سؤالاً يتعلق بقدرة نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية على الاستمرار في إدارة عالم تغيرت قواعده.
كانت هناك في 1945 صورة واضحة للقوة الدولية. واليوم لم تعد الصورة بهذه البساطة. فمجلس الأمن مثلاً، ما زال قائماً على عضوية الخمسة وحق النقض، وقد تعكس هذه الصيغة طبيعة النظام الدولي في ذلك الوقت، لكنها اليوم موضع أسئلة مشرعة على أبوابها بعدما تغير الاقتصاد العالمي، وصعدت قوى جديدة، وتوسعت أدوار دول ومناطق لم يكن لها الوزن نفسه في الحسابات الدولية قبل ثمانية عقود. والأهم أن الخمس الدائمة نفسها لم تعد تتحرّك دائماً في اتجاه واحد.
مثلاً، عندما تقع أزمة كبرى وتكون إحدى دول الفيتو طرفاً فيها أو جزءاً من معادلتها، يصبح السؤال عن قدرة المجلس على اتخاذ قرار أكثر تعقيداً، وتتحوّل المؤسسة التي يفترض أن تكون مكاناً لإدارة النزاعات، إلى انعكاس للصراع نفسه، وهنا تظهر مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها.
أفريقيا مثلاً، لا تملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن، رغم أن هذا الأمر أصبح جزءاً أساسيّاً من نقاشات الإصلاح الجارية داخل الجمعية العامة، بل إن ميثاق المستقبل الذي اعتمدته الدول في 2024 وضع المسألة في مقدمة مبادئ إصلاح المجلس. والعام الحالي قدّمت الدول الأفريقية نموذجاً واضحاً يدعو إلى مقعدين دائمين على الأقل للقارّة، إلى جانب مقاعد إضافية غير دائمة.
لا يتعلق الأمر بأفريقيا وحدها. هناك أميركا اللاتينية، والدول العربية، وآسيا، ودول صغيرة وجزرية لها مصالح وتحديات لم تكن ممثلة بالطريقة نفسها عندما تأسس النظام الدولي قبل ثمانية عقود. وحتى داخل النقاش الحالي حول الإصلاح ما زالت الدول تختلف في حجم المجلس وتوزيع المقاعد وطبيعة العضوية الدائمة وغير الدائمة ومسألة “الفيتو”. وهذا يعني أن أسّ الداء معروف، لكن الاتفاق على الدواء ما زال بعيداً.
تابعتُ عبر سنوات عملي في الأمم المتحدة، وترؤسي فرق عمل في الأمم المتحدة، كيف يمكن للفكرة الدولية أن تكون قوية في صياغتها، ثم تصطدم عند التطبيق بحسابات الدول والمصالح. وهذه ليست مفارقة جديدة، فالأمم المتحدة في النهاية ليست حكومة عالمية، ولا تملك جيشًا خاصًا بها ولا سلطة منفصلة عن إرادة الدول الأعضاء، أي إن قوتها الحقيقية تأتي من قدرة الدول على العمل من خلالها، ومن احترامها للقواعد التي وضعتها بنفسها.
قد يعتقد بعضهم أن أزمة الأمم المتحدة تبدأ وتنتهي عند حق الفيتو، لكن الصورة أشمل وأعمّ، فهناك قراراتٌ تصدر ولا تجد طريقها إلى التنفيذ. وهناك بعثات وبرامج تحتاج إلى تمويل مستقر، وهناك فجوة بين ما تقوله المؤسسات الدولية وما تستطيع فعله على الأرض. وفوق هذا وذاك، هناك تراجع في الثقة بعدالة النظام الدولي، وبقدرته على التعامل مع الأزمات بمعيار واحد.
أضف إلى هذا استجداد تحديات وقضايا لم تكن في قاموس الأمم المتحدة عند التأسيس، مثل التغير المناخي، أو البرمجة التفاعلية المسماة الذكاء الاصطناعي ودورها في إعادة صياغة (وتشكيل) الاقتصاد، والعمل، والأمن، والمعلومات. وقد شهد العالم في عام 2020 جائحة كورونا التي أظهرت أن الحدود الجغرافية لا تحول دون انتقال الخطر، وتعاقبت الأزمات والحروب لتكشف عمق سلاسل الإمداد والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا في التأثير بحياة الدول والمجتمعات بطرق لم تكن ممكنة قبل عقود. والسؤال هنا: كيف يمكن لمؤسّسة تأسّست قبل ذلك كله أن تدير ذلك كله من دون أن تتغير هي أيضاً؟
لذا، بدلاً من السؤال المعتاد: هل الأمم المتحدة ضعيفة؟ ورغم أنها قد تكون أقل قدرة مما نريد وتتعطّل قراراتها عند تعارض مصالح القوى الكبرى، وتوظف أحياناً هنا وهناك، لكن هذا لا يعني أنه يمكن الاستغناء عنها، بل على العكس، كلما زادت الأزمات العابرة للحدود، زادت الحاجة إلى مؤسّسة تستطيع الدول أن تجمع فيها حتى عندما تختلف.
وهنا نصل إلى الأسّ الحقيقي للداء. وقطعاً هو ليس في وجود الأمم المتحدة أو عدمه، بل في الفجوة بين النظام الذي تعمل به وحاجة العالم وبين التمثيل العادل وتوزيع المقاعد والتمثيل الإقليمي وطبيعة العضوية و”الفيتو”، أي إن فكرة الإصلاح يجب ألّا تناقش المبدأ فقط، بل كيف يمكن أن يحدث الإصلاح ومن سيحصل على ماذا، وما الذي سيبقى من النظام القديم، وهذه هي أصعب نقطة. فإصلاح الأمم المتحدة ليس تعديلاً في عدد المقاعد وإضافةٍ هنا وهناك، بل توزيع جزئي للنفوذ داخل النظام الدولي. ومفهوم طبعاً أن يكون ملف الاصلاح شديد الحساسية، فالدولة التي تملك موقعاً دائماً وحق النقض لن تنظر إلى الإصلاح بالطريقة نفسها التي تنظر إليه دولة لا تملك هذا.
من تجربتي مع الأمم المتحدة، تعلمت أن المؤسسات الدولية تزدهر عندما تشعر الدول بأن وجودها فيها يعكس مصالحها وكرامتها ودورها، وعندما يكون لديها سبب حقيقي للثقة بأن القواعد تنطبق على الجميع. ولذلك، أعتقد أن أزمة النظام الدولي الحالية ليست نهاية للأمم المتحدة، بل إنذار وقرع متواصل على جدران الخزّان بأن النظام الذي تأسس قبل أكثر من 80 عاماً يحتاج إلى أن ينظر إلى العالم الذي يعمل فيه الآن، وألّا تبقى مؤسسات 1945 أسيرة لميزان القوى الذي كان قائماً يوم تأسيسها. والسؤال الأهم: هل تستطيع الدول أن تعيد صياغة مؤسساتها الدولية قبل أن تصبح الفجوة بين الواقع والقواعد أكبر من قدرة هذه المؤسّسات على الاحتمال، ربما هذا هو التحدّي، وليس من السهل حسمُه أو الإجابة عنه على عجل.



