
سموترتش يتحّرش بأمّ الدنيا!
سهيل كيوان
حرير- في الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر والعبور، تعود سيناء إلى خطاب التهديد الإسرائيلي. فقد قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عشية ذكرى حرب السادس من أكتوبر، إنه إذا هاجمت مصر إسرائيل «فلن تكون هناك سيناء، على الأقل». وردت عبارته المستفزة هذه في سياق افتراضي، لم تكن إعلاناً عن خطة عسكرية، لكن افتراض الحرب مع مصر ليس كلاماً عابراً، عندما يصدر عن وزير أساسي في حكومة نتنياهو، وعشية ذكرى الحرب التي تحتل مكانة عميقة في الذاكرة المصرية وكذلك في ذاكرة العرب عموماً.
أعتقد أنه يُفترض من أي سياسي إسرائيلي حتى أكثرهم يمينية وفاشية، أن يتوخى الحذر عند الحديث عن مصر، لأن أكبر مكسب حققته إسرائيل منذ تأسيسها هو توقيع السلام مع مصر، ومن وجهة نظر إسرائيلية لا يجوز العبث بهذا الإنجاز الهائل، الذي مهد الطريق للمزيد من العربدة الإسرائيلية والاستقواء من غير كوابح في المنطقة، هذا السلام الذي يعتبر تعويضاً كبيراً عن الضربة العسكرية والمعنوية الكبيرة التي تلقتها في حرب السادس من أكتوبر.
عبارة سموتريتش أغضبت المصريين، واعتبروها مساساً بكبريائهم القومي، ولهذا جاءت الردود حادة من آلاف أبناء الشعب المصري، من خلال التعقيبات على الخبر في مختلف وسائل التواصل، كذلك من قبل بعض الإعلاميين المصريين المحسوبين على النظام، الأمر الذي يعني أن هنالك موافقة ضمنية، حتى إن الصحافي والنائب مصطفى بكري توعد سموترتش بالأسر ووضعه في «الخانكة»، ولكن من دون ردٍّ رسمي حتى الآن. وقد وصفت العلاقات المصرية الإسرائيلية طويلاً بأنها سلام بارد، وفي الوقت ذاته بأن هذا السلام البارد أفضل من حالة العداء والحرب. يستمر هذا السلام الرسمي والتعاون في مجالات عديدة، مثل الطاقة والتنسيق الحدودي والمفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحماس، لكن هذا لم يتحول إلى قبول مصري شعبي لإسرائيل وساستها، وهذا يعود أساساً لعدد الضحايا الكبير الذي قدمته مصر خلال حروبها في مواجهة إسرائيل من جنود ومدنيين، ثم العدوان الإسرائيلي المتواصل على الفلسطينيين، والذي بلغ ذروته في حرب الإبادة الأخيرة في قطاع غزة وتعاطف المصريين الطبيعي معهم. لم يمحُ توقيع معاهدة السلام القضية الفلسطينية من وجدان الشعب المصري، وتجلى هذا الاحتضان في الانتفاضتين الأولى والثانية، وأخيراً خلال حرب الإبادة التي هزت العالم، رغم محاصرة النظام المصري لمظاهر التضامن مع قطاع غزة، ورغم التحريض المنهجي لبعض إعلاميي النظام ضد الفلسطينيين، وتحميلهم مسؤولية ما يرتكبه الاحتلال من جرائم، إلا أن عدوانية إسرائيل الممنهجة والمتفاقمة، لن ولم تبق مجالاً للشك بمن هو صاحب النوايا الحقيقية للسلام، ومن الذي يتملص من استحقاقاته، حتى بات يعلن صراحة نواياه بالتهجير والطرد وتثبيت الاحتلال إلى الأبد، من خلال السيطرة على مزيد من الأرض وزرع مئات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية، وتبني سياسة التهجير كحل للقضية الفلسطينية.
إذن ماذا يريد ساسة إسرائيل من مصر حتى يرضوا عنها؟ لا تكتفي إسرائيل باحترام مصر للمعاهدة وضبط الحدود والوساطة لوقف الحرب! فقد صار مطلوباً من أم الدنيا أن تتعاون مع الاحتلال لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة، وأن تفتح سيناء لاستيعاب نتائج مخططات نتنياهو الإبادية التهجيرية. جريمة مصر اليوم هي أنها تطالب المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته لوقف الحرب على غزة، وحماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات، ومنع تهجير الفلسطينيين من أرضهم، ووقف التوسع الاستيطاني ومحاولات ضم الأراضي، وفتح أفق سياسي ينهي الاحتلال ويتيح قيام دولة فلسطينية مستقلة. لقد توصل أكثر قادة إسرائيل وأصحاب القرار إلى قناعة بأن السلام مع شعوب المنطقة لن يتحقق بالطريقة التي يحلمون بها، وبأن العرب ووراءهم أكثرية المسلمين لن يتقبلوا استمرار الاحتلال وتوسيعه وما يرافقه من عنف وصل درجة الإبادة، وهو ما باتت ترفضه قطاعات واسعة من الأوروبيين والأمريكيين والعالم، ولهذا باتوا مقنعين ويروّجون بأن الحروب قدر لا مفر منه، والسياسة تعني إدارة الصراع لأن الحل الدائم مستحيل، هذه القناعة ليست لدى الحكومة الحالية فقط، بل كذلك لدى ما يسمى المعارضة، أو حكومة التغيير التي لا يقل بعض أقطابها عدوانية عن سموترتش مثل، ليبرمان الذي يعلن أن أحد أهدافه إذا ما وصل السلطة هو حل السلطة الفلسطينية في رام الله، وتشديد الحصار وقطع الكهرباء والماء والغذاء عن القطاع لجعل الحياة مستحيلة ثم فتح باب الخروج تحت تسمية «الهجرة الطوعية».
الأردن يواجه الجانب الآخر من المشكلة، وهو ما انعكس على خطاب الملك عبد الله بن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثاني والعشرين من سبتمبر الأخير الذي عبر فيه عن ضيقه وإحباطه من برودة الردود الدولية على سياسة وممارسات الاحتلال في الضفة الغربية، وأبدى تخوفه من تجاوزها إلى دول الجوار. ضم الضفة الغربية وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية يفتح باب الخوف من دفع سكانها شرقاً وإحياء فكرة الوطن البديل، وهذه حقيقة ما يفكر فيه أقطاب السياسة في إسرائيل، وهي النتيجة المتوخاة من ممارسات المستوطنين اليومية، التي تجري تحت نظر جيش الاحتلال في الضفة الغربية وتدفع بهذا الاتجاه، وبهذا يلتقي الموقفان المصري والأردني في رفض التهجير، ويرى الطرفان أن مستقبل الفلسطينيين ينبغي أن يُبنى في فلسطين، لا على حساب سيادة جيرانها واستقرارهم. لا يمكن حصر تصريح سموتريتش في كونه دعاية انتخابية فقط، مثلما لا يمكن حصر كلامه عن تهويد الضفة الغربية والجليل كدعاية، فهذه هي رؤيته التي يعمل على تطبيقها على أرض الواقع. مصر ليست خطراً على إسرائيل، وهي متمسكة باتفاقات السلام، وهذا ما يعرفه جميع الساسة في إسرائيل، ولكن الغضب عليها فقط لأن موقفها يعارض التهجير. بلا شك في أن تصريحات سموتريتش تحمل غرضاً انتخابياً، فهو يريد الظهور أمام الجمهور بأنه اليمين الأشرس والأشد صلابة واستعداداً للمواجهة، والرافض لأي نوع من التطبيع مع العرب، ولكن هذا يتسق مع مشاريعه على أرض الواقع، وليس دعاية انتخابية فقط.
بعد ثمانية وأربعين عاماً على اتفاقات كامب ديفيد، لا تحتاج مصر ولا الأردن ولا سلطة رام الله إلى إثبات نواياها السلمية تجاه إسرائيل، والتغني بنموذج السلام «الذي يحتذى»، كما يقول السيسي، ولا مجموعة الدول العربية التي طرحت ما يسمى مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002. العكس هو الصحيح، الاحتلال هو المطالب بالتخلي عن سياساته التدميرية، والتهديد بالاحتلال بما في ذلك لأجزاء من سيناء، ولكن لا يبدو في الأفق القريب أن زعيماً إسرائيلياً من الموجودين على الساحة، قادر على التخلي عن نهج إدارة الصراع، والتوجه بصدق إلى هدف واضح لتحقيق سلام مع شعب فلسطين وبقية شعوب المنطقة.



