
الدبلوماسية الجديدة
بيير لوي ريمون
حرير- لا تتحدث وسائل الإعلام بما فيه الكفاية عن متغير أساسي سيؤثر حتما، من الآن فصاعدا، على مجرى الدبلوماسية الدولية، وهو بروز أقطاب دبلوماسية جديدة تجعل عواصم الجنوب الشامل، وعواصم أخرى غير غربية، تملك زمام الأمور الفعلية في تحريك قنوات خفية، وقد ذهبت الصحافة الهندية إلى حد وصفها بـ»من يملك المفاتيح الحقيقية لتجنب الكارثة».
ولنبدأ من باكستان، ومن هذا الاعتراف البليغ من جارتها الهندية التي تجمعها بها علاقات متوترة، عبر صوت خبير دفاعي هندي، تحدث إلى يومية «ذي إنديان أكسبريس» الحكومية وهو يذكر كيف أن إسلام آباد هي التي «حملت الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات»، محققة بذلك «صدمة ريال بولتيك» من الطراز الرفيع.
كلام نقرؤه في واحدة من أشهر الصحف الهندية الحكومية، يشيد بمحاسن الدبلوماسية الباكستانية، بما يكرس باكستان، من قلب الإعلام الهندي، مركزا (بالمعنى الإنكليزي العولمي hub) للدبلوماسية الموازية الحالية.
في هذا المجال، زاحمت إسلام أباد مسقط، مع ما لمسقط من خبرة دبلوماسية وسطية تاريخية، أفضت مثلا قبل أيام قليلة من كتابة هذه السطور إلى الإفراج عن المحتجزين الفرنسيين في إيران، وهما سيسيل كولير وجاك باريس.
وإذا كانت باكستان قد عرفت كيف تنسج علاقات مميزة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، بما هيأ لها أرضية للاحتماء من مخاطر الانجرار إلى انقسامات المعسكرات القاتلة للحياد، فإن صوتا جديداً حاول أن يرتفع ليسمع موقف دول الخليج: إنه صوت البحرين. صحيح ووفق ما كان متوقعا من الطابع الذي أراد ترامب أن يضفيه على الجولة الدبلوماسية الجديدة، تم إحباط مشروع قرار البحرين الأممي بتدخل عسكري غير مشروط لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا، لكن في المقابل، كانت كلمات وزير الخارجية البحريني ذات وزن غير مسبوق، إذا ما أسندناها إلى طيف المواقف الدبلوماسية، التي يعتادها المراقبون. فسماع صوت خليجي رسمي يذكر أن «لصبر دول الخليج حدودا» يغير الكثير، وسماعه داخل الأروقة الأممية يغير أكثر. فالتماس أرقى منظمة رعاية لحفظ السلام والأمن الدوليين، من أجل التدخل بالقوة المشروعة، يتجاوز البعد الرمزي لكونه يلتمس بواضح العبارة تفويضا أمميا (وإن بقي نادرا كما أثبته مثلا المشهد الليبي بمكاسب لا تزال موضع نقاش). لكن في هذه الحالة، العبرة بالعروض أكثر منها بالنتائج التي لن تكون مقاربتها متاحة إلا على المدى البعيد.
العروض، دعونا نتحدث عنها، فهي غزيرة وفي الوقت ذاته تتلاقى كلها تقريبا لتغرد خارج السرب الأمريكي. «إذا ما عاود ترامب القصف بعد مفاوضات باكستان القادمة، فهو مهزوم بالتأكيد».. هذا الكلام من الجنرال ميشيل ياكوفليف نائب رئيس أركان القيادة العليا للقوات المتحالفة في حلف الشمال الأطلسي سابقاً والمستشار في الإعلام الفرنسي حاليا. يصلح هذا التقييم جيدا لتحليل الاتجاه الحالي للدبلوماسية الموازية.
نبدأ بالصين، ذات الصوت الخفي، لكن المسموع.. رسميا، لا يؤثر التحالف الصيني الروسي التقليدي على المسار الدبلوماسي العالمي، لكن عندما تدخل باكستان في المعادلة، باكستان حليفة بكين التقليدية، نعم يؤثر. يؤثر عندما يجتمع رئيس وزراء باكستان بحوالي إثني عشر قياديا في أبرز عواصم العالم منها موسكو وبكين، بالإضافة إلى أنقرة وواشنطن وإسطنبول والقاهرة.
كما يؤثر التحالف الباكستاني – الصيني على المسار الدبلوماسي عندما تذهب الصحيفة الهندية الوطنية جدا «ناشيونال هيرالد» إلى درجة الحديث عن «انتكاسة صريحة لدبلوماسية مودي المشخصنة»! وهذا الكلام مفهوم. لا نحتاج إلى قراءة مستفيضة بين السطور لإدراك الندم الهندي الدفين على دفع باكستان بأوراقها في السباق على زعامة الدبلوماسية الموازية. النبرة نفسها نسمعها من «ذي إنديان أكسبريس» التي ذكرناها في بداية هذا المقال، عبر هذا المقتطف مثلا: « لقد أظهرت وساطة باكستان في الشرق الأوسط كيف يمكن أن يكون لهذا البلد تأثير يعاكس مساحته الجغرافية تماما».
واشنطن، باريس، لندن، برلين… سيأتي يوم ستحجم فيه وسائل الإعلام عن استظهار قائمة العواصم التقليدية ليتغير الترتيب، وقد بدأ الترتيب الجديد يتشكل فعلا وما زال يتشكل حتى الآن بخفاء، لكنه صار يتقدم تدريجياً بعلن، فما الاستعانة الأمريكية في دبلوماسيتها الجديدة بحلفاء الصين، وما تسليم الرئيس ترامب زمام قيادة المفاوضات القادمة لنائبه جاي دي فانس، المناهض لهذه الحرب أصلا، سوى ترجمة تسليم من نوع آخر: تسليم بعجز القوة العظمى عن ممارسة السياسة الدولية وفق النسق المعتاد منذ قرون.
لقد دخلنا، أكثر من أي وقت مضى، عالما متعدد الأقطاب، ولكن الفارق الأساسي بين هذا التشخيص الصادر عن جملة المراقبين، والحقائق التي تعجلت تطوراتها في الساعات الأخيرة، يعطي نظرة واقعية عن الطريقة التي بدأ فعلا تعدد الأقطاب يحدد، بشكل غير مسبوق، ملامح الدبلوماسية الجديدة.



