
الإعلام في زمن الحروب
بقلم: الإذاعية والإعلامية / عزة الزفتاوي
مقدمة
لم تعد الحروب المعاصرة تُخاض في الميادين العسكرية فحسب، بل امتدت بقوة إلى الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت المعركة على الوعي لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض.
الإعلام: من ناقل للخبر إلى صانع للرواية
في الماضي، كانت أخبار الحروب تصل إلى الجمهور بوسائل محدودة وبدرجات متفاوتة من الدقة. أما اليوم، وفي ظل النزاعات الممتدة من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا وغيرها، فقد تحوّل الإعلام من مجرد ناقل للأحداث إلى فاعل رئيسي في إدارة الصراع.
لم يعد السؤال الأهم: “ماذا حدث؟”
بل أصبح: “أي رواية يجب أن تسود؟”
هذا التحول جعل الخبر مادة قابلة لإعادة الصياغة، تُستخدم لتشكيل الوعي العام، وصياغة السرديات، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، مدعومة بصناعة الفيديوهات الترويجية والحملات الإعلامية الموجهة.
ثورة الاتصالات وتسارع نقل الخبر
مع التطور الهائل في وسائل الاتصال، أصبح العالم قرية صغيرة؛ تنتقل فيه الأخبار في لحظات، متجاوزة الحدود الجغرافية.
وقد ساهمت هذه الثورة في:
تسريع تداول المعلومات
توسيع نطاق التأثير الإعلامي
تعزيز التفاعل بين الشعوب والثقافات
لكن هذا التسارع فتح الباب أيضاً أمام فوضى المعلومات.
وكالات الأنباء وصناعة السبق الصحفي
تلعب وكالات الأنباء دوراً محورياً في تغطية الحروب، حيث تعتمد عليها وسائل الإعلام كمصدر رئيسي للأخبار.
وفي أوقات النزاعات:
تتسابق المؤسسات الإعلامية لتحقيق السبق الصحفي
تُوضع استراتيجيات للوصول إلى مصادر المعلومات بسرعة
تتكثف الجهود لنقل الحدث فور وقوعه
الإعلام كسلاح: بين الحقيقة والدعاية
الإعلام الذي وُجد ليكون مرآة للحقيقة، ينزلق في أوقات الحروب نحو صناعة الروايات التي تخدم أطراف النزاع.
فتصبح الحقيقة:
مجتزأة
أو معاد تشكيلها
أو حتى مطموسة
وتستخدم الأطراف المتحاربة الإعلام من أجل:
بناء صورة بطولية للذات
تشويه صورة الخصم
تأجيج المشاعر والصراع
الحروب السيبرانية وفوضى المعلومات
أصبحت المنصات الرقمية ساحة موازية للحرب، حيث:
تنتشر الأخبار بسرعة غير مسبوقة
تتزايد الشائعات والمعلومات المضللة
تُستخدم تقنيات متقدمة في التلاعب بالمحتوى
وهنا يتحول الإعلام إلى سلاح ذي حدين:
إما وسيلة لكشف الحقيقة وإيصال صوت الضحايا
أو أداة للتضليل والدعاية والحرب النفسية
تحديات الإعلام في زمن النزاعات
تواجه المؤسسات الإعلامية اليوم مجموعة من التحديات المعقدة، أبرزها:
1. لغة الخطاب
استخدام لغة إقصائية وتحريضية
تضخيم الأحداث أو توجيهها
2. التضليل المعلوماتي
انتشار الصور والفيديوهات المفبركة
اختلاف المصطلحات لوصف الحدث الواحد
3. السيطرة على المعلومات
تحكم الدول في تدفق الأخبار
توجيه المحتوى بما يخدم مصالحها
4. استهداف الصحفيين
منع الوصول إلى مناطق النزاع
تهديد سلامة المراسلين
خلق فراغ معلوماتي خطير
5. التحيز الإعلامي
تبني أجندات سياسية
تشويه إدراك الجمهور للواقع
خاتمة
يمكن القول إن الإعلام في زمن الحروب لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح جزءاً من الصراع ذاته—حرب تُخاض بالكلمات والصور.
وتبقى المسؤولية الأخلاقية للإعلامي في:
التمسك بالمهنية والدقة
مقاومة الانجرار إلى آلة الدعاية
الدفاع عن الحقيقة
فالحقيقة… كانت وستظل أول ضحايا الحروب.
وفي المقابل، يبقى الجمهور شريكاً في هذه المعركة، من خلال وعيه وقدرته على التحقق من مصادر الأخبار.



