
الإعلام بين المسؤولية… وواقع لا يمكن تجاهله ردًا على مقال الإذاعية والإعلامية عزة الزفتاوي
بقلم: الإذاعي شريف عبد الوهاب رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب
لا يختلف اثنان على أن ما طرحته الإذاعية والإعلامية الكبيرة عزة الزفتاوي يعكس وجعًا حقيقيًا إزاء مشاهد قاسية باتت تتكرر على منصات التواصل الاجتماعي؛ مشاهد تُختزل فيها المأساة الإنسانية إلى “محتوى”، ويتحول فيها المتلقي من إنسان فاعل إلى مجرد متفرج.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل يمكن اختزال هذه الأزمة في “هوس المشاهدات” فقط؟
أم أننا أمام انعكاس لتحولات أعمق في بنية المجتمع نفسه؟
الحقيقة التي قد تبدو صادمة أن الإعلام الجديد لم يصنع هذه القسوة، بقدر ما كشف عنها. لم يخلق “مجتمع الفرجة”، بل أزاح الستار عنه. ما كان يحدث في الخفاء، أصبح يُبث على الهواء، وما كان يُكتم خلف الجدران، صار متاحًا أمام الجميع.
وهنا تبرز مفارقة شديدة الدلالة:
الإعلام التقليدي كان يمتلك سلطة “الاختيار” و”الحجب”، بينما يقوم الإعلام الجديد في جوهره على “الانكشاف الكامل”.
لكن هذا الانكشاف، رغم طبيعته، لا يعفيه من المسؤولية… بل يضاعفها.
فإلقاء اللوم الكامل على المنصات الرقمية قد يبدو منصفًا للوهلة الأولى، لكنه يتجاهل حقيقة جوهرية، وهي أن المستخدم لم يعد مجرد متلقٍ، بل أصبح شريكًا أصيلًا في صناعة المحتوى وتوجيه انتشاره.
فكل مشاهدة، وكل تعليق، وكل مشاركة… هي في جوهرها قرار.
ومن هنا يتغير السؤال:
ليس لماذا تُبث هذه المشاهد؟
بل لماذا نُقبل نحن على مشاهدتها؟
في هذه النقطة تحديدًا، نقترب من مساحة أكثر حساسية:
هل تبلدت مشاعرنا فعلًا؟
أم أننا نعيش حالة من “العجز الرقمي”، حيث يشعر المتلقي بأنه غير قادر على التدخل، فيكتفي بالمشاهدة؟
كثيرون ممن تابعوا مثل هذه الوقائع لم يكونوا بلا ضمير، بل بلا وسيلة. فالفارق كبير بين أن ترى حادثًا أمامك في الشارع، فتندفع للمساعدة، وبين أن تراه عبر شاشة تفصلك عنه مسافات شاسعة، فتتراجع قدرتك على الفعل، ويخفت إحساسك بالمسؤولية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن بعض المحتوى الصادم تحول إلى “سلعة”، تُدار بخوارزميات لا تعرف الرحمة، بل تعرف فقط ما يجذب الانتباه ويحقق الانتشار. وهنا يصبح الحديث عن “أنسنة الخوارزميات” ضرورة ملحّة، لا مجرد طرح نظري.
لكن الحل لا يكمن في الرقابة وحدها، ولا في الحجب فقط؛ فالتجارب أثبتت أن المنع لا يُنهي الظواهر، بل قد يدفعها إلى مساحات أكثر خطورة وخفاءً.
ربما نكون بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم “المسؤولية الإعلامية” في العصر الرقمي، بحيث لا تقتصر على المؤسسات، بل تمتد إلى الأفراد أيضًا.
مسؤولية تبدأ من قرار المشاهدة، وتمر بطريقة التفاعل، وتنتهي بقرار النشر أو التبليغ.
لقد أصبح الإعلام الجديد بيئة نعيش داخلها، لا مجرد وسيلة نستخدمها. نتأثر بها ونؤثر فيها، نشكّلها وتُعيد هي تشكيلنا.
ومن ثم، فإن إصلاح هذا الواقع لا يتحقق فقط عبر تعديل الخوارزميات، بل يبدأ بإعادة بناء وعينا نحن.
تبقى النقطة الأهم التي أثارتها الكاتبة، وهي أن الكلمة الطيبة والتدخل السريع قد ينقذان حياة…
وهنا لا خلاف.
لكن هذا التدخل لن يصبح واقعًا إلا إذا انتقلنا من دور “المشاهد” إلى دور “الإنسان”.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية أعمق، تتعلق بالتربية والتكوين؛
فإعادة الاعتبار لمنظومة القيم داخل مؤسساتنا التعليمية باتت ضرورة، من خلال تفعيل دور التربية الدينية، والتربية القومية، والأهم “التربية الإعلامية”، بما يعزز الوعي النقدي ويُعيد للإنسان حضوره الأخلاقي في الفضاء الرقمي.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال:
هل أخطأ الإعلام؟
بل:
هل ما زلنا نعرف كيف نكون بشرًا… في زمن الشاشات؟
مع خالص التحية،
شريف عبد الوهاب



