
إيران والخيارات النووية
توفيق شومان
حرير- بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، طغى على سطح النقاش، في إيران وخارجها، سؤال يدور في فلك التحوّلات الممكنة في العقيدة النووية الإيرانية، وعمّا إذا كان المرشد الخَلف سيسير على خطى المرشد السَّلف بتحريم عسكرة البرنامج النووي، تصنيعاً واستخداماً، فما هو معروف في عوالم الفقه أنّ فتاوى الراحلين لا تُلزم اللاحقين. ومن هذا الباب، علا النقاش عن المتغيّرات “الفتوائية” المحتملة التي قد تتيح لإيران الخروج من فتوى التحريم إلى فتوى التجويز. يستحضر ذاك النقاش عقوداً من السباق النووي الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، وما رافقه من نظريات وثيقة العلاقة بالأثرين الإيجابي أو السلبي في الدول الطامحة لتطوير برامجها النووية لأغراض غير سلمية، أو تلك التي اتخذت خياراً انسحابياً من برامج التطوير، ممّا أفضى، في العموم، إلى وجود سبع طبقات من النماذج الدولية الخاصّة بالتعاطي مع القدرات النووية.
أولى تلك الطبقات ما ينطبق عليها صفة “النموذج الحامي”، وهو المتّصل بالمحمول الإيجابي الذي يجعل من الردع النووي عاملاً حامياً للدولة، ويضيف إلى قدراتها الدفاعية عناصر استراتيجية يتحوّل معها السلاح النووي إلى قوة مضافة إلى مصادر قوة الدولة، وبصورة تجعل منه قوة حامية للدولة، ويدخل في قائمة هذا النموذج الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والهند.
والطبقة الثانية من الدول النووية، تلك التي تتحوّل معها قدراتها النووية إلى “محمول سلبي”، وبدلاً من أن ترفد القدرات النووية الدولة بعوامل حماية إضافية، تصبح الدولة حاميةً لقدراتها النووية، وهذه الطبقة تتمثّل في النموذج الباكستاني، إذ منذ التفجيرات النووية الباكستانية الأولى في عام 1983، وما أعقبها من تفجيرات مماثلة وصلت إلى ذروتها عام 1998، وباكستان تدفع أعباء محمولها النووي إنفاقاً مادياً ومالياً ضخماً ينعكس على دورتها الاقتصادية العامة شحّاً وإملاقاً. صحيح أنّ ترسانتها النووية غير المدنية جعلتها ندّاً قتالياً وتسليحياً قبالة عدوها الاستراتيجي الهندي، ولكنّ المساومات والتسويات السياسية والأمنية، تارّةً مع الصين وطوراً مع الولايات المتحدة، ترغم باكستان على اختيار مسارات سياسية وأمنية لا تصبّ دائماً في مصلحتها الوطنية، وفي غالبية مسارات الاضطرار كانت الرؤية الباكستانية تُوازن بين صرف الإنتباه عن قدراتها النووية وسلوكها الاضطراري، فتأتي الغلبة للخيار الأول.
وأمّا الطبقة الثالثة، فنموذجها الثنائي الياباني والألماني، وهو “النموذج الإبعادي” الذي ألزمته نتائج الحرب العالمية الثانية بقيود ما زال معمولاً بها حيال القدرات العسكرية عامة والنووية خاصّة. وفيما لا يساور الشكّ عاقلاً أنّ اليابان وألمانيا قادرتان على إنتاج السلاح النووي وما يناظره، فإنّ الإبعاد القسري عن مستويات معيّنة من التصنيع العسكري، الذي فرضته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على الدولتَين، أدّى مع تعاقب السنوات والعقود إلى أن تصوغ اليابان وألمانيا من “نموذج الإبعاد” القهري نموذجاً آخر هو “الابتعاد الذاتي” عن كلّ ما يتّصل بحدود القوة العسكرية، بما فيها القوة النووية المعسكرة. واتسع الانخراط في “النموذج الابتعادي” ليشمل دولاً مثل البرازيل وكندا وغالبية دول أوروبا الغربية وكوريا الجنوبية.
ويحلّ “النموذج الانسحابي” في الطبقة الرابعة، ومن روّاده دولة جنوب أفريقيا وأوكرانيا وكازاخستان. الأولى اتّخذت قراراً بتفكيك برنامجها النووي العسكري عام 1990 وأنجزت المهمة بعد أربعة أعوام في عهد الرئيس فريدريك دي كليرك، والثانية وافقت على التخلّص من مخزونها النووي وتفكيكه وتدميره عام 1994، بعدما كانت ترسانتها النووية تحوز المرتبة الثالثة في العالم، فيما كازاخستان، التي كانت في المرتبة الرابعة، قوّضت قدراتها النووية العسكرية وأنهتها عام 1995، وأوغلت كازاخستان في تطبيق “النموذج الانسحابي” عبر تفجير الأنفاق التي كانت مخصّصةً لإجراء التجارب النووية، وآخرها عام 2000.
وتنفرد إسرائيل بالطبقة الخامسة، حيث نموذج “الغموض البنّاء”، فلا هي تعترف بامتلاكها سلاحاً نووياً ولا هي تنفي، مع العلم أنّ مختلف التقديرات الأمنية والبحثية والسياسية تتقاطع عند القناعة المقترنة بالجزم بأنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي تدأب منذ أواسط خمسينيّات القرن العشرين الماضي في تطوير قدراتها التسليحية النووية، التي باشرتها مع فرنسا ثم طوّرتها مع المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، ومن دون إغفال الغطاء الأميركي لعمليات التطوير، إلى أن استقرّت التقديرات عند حيازة إسرائيل رؤوساً نوويةً يتراوح عددها بين 90 و200 رأس، وتذهب تقديرات أخرى إلى امتلاك إسرائيل 300 رأس نووي.
وفي الطبقة السادسة تتموضع كوريا الشمالية بالنموذج “الإلحاقي”، وهو المتّصل بقوة عظمى هي الصين، والمنفصل عنها في الآن نفسه، وإلى حدود لا تصل فيها الإجابة إلى إبانة توضّح تفاصيل وخيوط العلاقة بين البرنامج النووي لكوريا الشمالية و”رفيقتها” وجارتها الصين، لكن من ثوابت القول إنّه لولا بكين لما كان الغطاء النووي قد توافر لبيونغ يانغ.
وتتمثّل الطبقة السابعة والأخيرة بنموذج “العتبة النووية”، الذي اتسمت به إيران حين أعلنت أكثر من مرّة أنّها رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60% فما فوق. والشائع عند أهل العلوم والخبرة أنّ الدول القادرة على إيصال التخصيب إلى تلك النسبة تقترب من تصنيع السلاح النووي، غير أنّ إيران حاذرت الوصول إلى عملية التصنيع وحظرتها بالفتوى الشهيرة، وبرفعها التخصيب إلى النسبة المذكورة، كأنّها كانت تقول إنّها تمتلك أدوات الفعل ولكنّها لن تفعله.
لقي احتذاء إيران نموذج “العتبة النووية” اعتراضاً من “الخمسة الكبار” في مجلس الأمن، ومن بين الخمسة اثنان من الحلفاء المفترضين لإيران، روسيا والصين، وقد صوّتتا في 9 يونيو/ حزيران 2010 على قرار مجلس الأمن 1929 الموصوف بأنّه أقسى القرارات العسكرية والأمنية والاقتصادية المفروضة على إيران، إذ ينصّ على حظر المبيعات التالية لإيران: “الأسلحة التقليدية الثقيلة، من قبيل الدبابات الثقيلة أو مركبات القتال المدرعة أو منظومات المدفعية من العيار الثقيل أو الطائرات المقاتلة، العمودية والهجومية، أو السفن الحربية، أو القذائف أو منظومات القذائف على النحو المحدّد للأسلحة التقليدية”. وينصّ القرار أيضاً على مطالبة الدول لمواطنيها بممارسة اليقظة عند التعامل مع شركة جمهورية إيران الإسلامية للنقل البحري، ويهيب بالدول أن تمتنع عن تقديم الخدمات المالية، بما فيها خدمات التأمين وإعادة التأمين، ويقرّر أن تطالب الدول بممارسة اليقظة عند إجراء معاملات تجارية مع أيّ شركة إيرانية، ويطلب من الدول أن تحظر إقامة علاقات مصرفية جديدة مع إيران أو افتتاح فروع لمصارف إيرانية أو إنشاء مشاريع مشتركة. وفي واقع الحال، أعاد الثلاثي الأوروبي، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (28/8/2025) تفعيل آلية العقوبات على إيران إلى مرحلة ما قبل الاتفاق النووي عام 2015، أي إلى بنود القرار 1929، وكانت الولايات المتحدة سبّاقة في التنصّل من قرار العام 2015 حين انسحب الرئيس دونالد ترامب منه في مايو/ أيار 2018.
لا يفوت المراقب لوسائل الإعلام الإيرانية، وفي صلبها فضاءات التواصل الاجتماعي، التوقّف عند رأي عام واسع في إيران يتساءل عمّا إذا كانت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ستقع على إيران لو أنّها تخطّت نموذج “العتبة النووية” إلى النموذج الباكستاني بالتحديد، فالخسائر التي ألحقتها الحرب الجارية بإيران تفوق الأثمان التي ترتّبت على الدولة الباكستانية لحماية برنامجها النووي، وهذه الشريحة من الرأي العام ترى أنّ السياسة فعل يتحرّك مع مصالح الدولة العليا، وكذلك العقيدة النووية… فهل تتغيّر هذه العقيدة مع المرشد الجديد؟



