
من مضيق سلاميس إلى مضيق هرمز: سحر «الغطرسة»
وسام سعادة
حرير- “الغطرسة” هي العلّة التي فسّر بها أسخيلوس هزيمة أساطيل الفرس في مضيق سلاميس. مسرحيته “الفرس” هي التراجيديا الوحيدة التي وصلت إلينا وتتناول حدثاً تاريخيّاً معاصراً للمؤلّف بدلاً من الاستيحاء من الأساطير. أسخيلوس نفسه انخرط في حرب المقاومة اليونانية ضد الفرس كجندي مشاة في ماراثون، ثم بعد ذلك بعشر سنوات – كشاعر محارب – في سلاميس (480 ق.م). ولأنّ ماراثون كانت حرب “المواطنين – الجنود” بامتياز، ومصدراً للافتخار في ذلك الزمان لمن شارك فيها، طلب أسخيلوس أن يُنقش على قبره أنه “حارب في ماراثون”. ولأنه كان شاهداً عياناً على احتراق سفن الفرس في مضيق سلاميس كتب مسرحيته يخلّد فيها كيف تهاوت عظمة إمبراطوريّة كانت تمتد في ذلك الزمان من نهري السند وجيحون إلى نهر النيل ومن بحر قزوين حتى بحر إيجة، أمام حلف من المدن اليونانية المتناثرة. رأى في هزيمة الفرس في سلاميس انكساراً لمفهوم الغطرسة، “الهيبريس”، أو بمعنى أدق، الإفراط في التدخل بنظام الطبيعة بما يتجاوز الحدود البشرية من قبل الفرس. رأى في ذلك انتحالاً لصفة الآلهة، وفي هزيمة الفرس عدالة إلهية “نيمسيس”، خاصة وأن ملك الملوك خشايارشا الأول أمر بجلد أمواج البحر في مضيق الدردنيل بدعوى أنها عصت أوامره.
بيد أن أسخيلوس لم ينسج تراجيدياه عن هزيمة الفرس في سلاميس من موقعه كشاهد عليها، بل تكمن براعته في أنه تخيّل الأحداث كما هي حاصلة في بلاطهم الإمبراطوري، لا كي يستدر من المشاهد لعمله الشماتة بالمهزوم، وإنما الشفقة على السقوط المدوّي للإنسان المصاب بالهيبريس، والذي ينتقل من الاستكبار إلى المكابرة إلى العويل. غرضه كان الحث على التطهر من عدوى الغطرسة، من أن تنتقل “الهيبريس” إلى اليونانيين أنفسهم، فيستبد بهم الاستكبار الذي تسبّب بنكبة عدوهم. ولأجل هذا، إشكاليّ للغاية عروج إدوارد سعيد في “الاستشراق” على “الفرس” لأسخيلوس. بما أنّ الأخير قرّر مشاهدة وقع الهزيمة في البلاط الإمبراطوريّ الفارسيّ، اعتبر سعيد أن أوروبا من خلاله “من تعطي تعطي الشرق صوته”، وأن أسخيلوس سلف لتقليد طويل من إعمال التضاد بين جموح الشرق وبين العقل – الغرب. والحال أن مسرحية أسخيلوس لعبت دوراً أساسياً في تبلور الوعي التراجيديّ للغرب، لكنها لم تفصل بين “الشرق والغرب” هكذا، على طول الخط، بل كانت مهمومة بأن لا يشكّل الجموح الشرقيّ، الهيبريس، عدوى تصيب المدن اليونانية نفسها. الغطرسة التي انشغل بالتفكيك السرديّ لعناصرها ليست سياسية فقط، ولا عسكرية فقط. بل هي غطرسة كونية، أي حين يؤدي سعار القوى إلى تجاوز البشر حدودهم بما يستجر انتقام الآلهة.
في الوقت نفسه، عدوى “الهيبريس” خطيرة على النظام الذي تقوى في أثينا في إثر الانتصار على الفرس، فبما أن المواطنين الجنود هزموا الفرس، صارت السلطة للكثرة من مواطني المدينة الأحرار، والديمقراطية يمكن أن تأخذ بها أهواء “الهيبريس” أكثر من سواها من الأنظمة، وهو ما حدث بالفعل، من وجهة نظر الكثيرين في القرن الخامس قبل الميلاد، فبعد أن قادت أثينا سواها من المدن تحولت بدورها في الزمن الديمقراطيّ إلى قوة مستكبرة، ما أدخلها في 27 عاماً من “حرب البيليبونيز” مع إسبارطة، والتي انتهت بهزيمتها ونهاية عصرها الذهبي. تبخترت أثينا في إملاءاتها على باقي المدن، “القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يعاني”. تصاعد قوتها جعل أسبارطة تتحين الفرص لاستباق هذا المسار، وخوض المواجهة، وجعل المدن المذلولة تنقم عليها، فانتقلت آنذاك لعنة “الهيبريس” التي أصابت الفرس في سلاميس وبلاتيا، وأصابت الأثينيين بعد ذلك، وصولاً إلى تحطيم أسوار مدنهم الطويلة، وفرض نظام من المهانة والطغيان عليهم.
جعل أسخيلوس من “محاذرة التفرّس”، أو التشبّه بغرور أباطرة الفرس، جزءاً من الوعي الحضاريّ للغربيّ. تكامل هذا مع المنظار الذي شاع أكثر مع المؤرخ هيرودوتوس، القائم على تأصيل التضاد بين جيش العبيد من ناحية، وبين المواطنين الجنود اليونانيين الأحرار – بصرف النظر عن نظام الرق في المدن اليونانية. ربط نكبة الفرس في معركة سلاميس بغطرسة ملك ملوكهم، وجدت أيضاً قرينها في التراث العربي – الإسلامي، وان تجاذبت هذا التراث نزعتان. واحدة تسرف في الشكوى من بهرجة وترف الأكاسرة، بل تتعاطى مع “الكسروية” على أنّها المنزلق الذي ينبغي للخلافة ولنظام الحكم في الإسلام الابتعاد عنه، وثانية تتعامل مع النموذج الإمبراطوريّ الإيراني المديد على أنه على العكس تماماً، نموذج للهيبة والعدالة والتوأمة بين الدولة والدين ولتنظيم الدواوين وضبط المجتمع. إنها لمفارقة في المقابل، أن يقوم خطاب إيران الإسلاميّة، وبخاصة عند الإمام الخمينيّ، على ما يشبه استعادة مغزى تراجيديا أسخيلوس، ضد “الغطرسة – الهيبريس”، إنما من خلال مصطلحين قرآنيي المصدر: “المستضعفون” في مواجهة “الإستكبار”. انتصرت الثورة بعد سنوات قليلة على الاحتفال البازخ للشاه محمد رضا بهلوي بمرور 2500 عام على تأسيس قورش الكبير للإمبراطورية الفارسية عام 529 ق.م. لم تتأخر الهزيمة الفارسية في سلاميس كثيراً بعد هذا التأسيس، فبيننا وبين هذه المعركة 2504 سنوات أيضاًّ. ما بين المعركة في مضيق سلاميس وبين الحرب المحتدمة حول مصير الملاحة في مضيق هرمز، ما عدت تعرف من يصيب داء “الهيبريس” أكثر في عالم اليوم؟ النظام الإسلامي أم أمريكا واسرائيل؟ هل حقاً ما عدنا نعرف؟ ألا يمكن استحضار مفهوم أسخيلوس عن الإفراط في الغطرسة لتلخيص ظاهرتي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو قبل أي أحد آخر؟ في أقل الإيمان، عدوى الهيبريس “معولمة” بامتياز في عالم اليوم. يبقى أنّ المتغيّر هنا يمكن أن يجتلي إذا ما عدنا لأحد أعمال المؤرخ الحربي فيكتور ديفيد هانسون، المختص بتاريخ الحروب، بخاصة في العصر القديم. وهانسون على براعته في ربط المجريات العسكرية بالإحاطات الحضارات في كتبه، فإنه تحوّل منذ عقود طويلة على صعيد مقالاته وإطلالاته الإعلامية إلى داعية للخط الأكثر قصوية في أمريكا. كتب مؤخراً يتهم فيه الحزب الديمقراطي الأمريكي بأنه يعمل لإحباط أمريكا من الداخل الآن، ولتصوير الحرب مع إيران كما لو أنها تورّط استنزافي للقوة الأولى، على شاكلة ما حصل في فيتنام وأفغانستان، وأنهم بذلك يعرضون الأمن القومي للخطر، في حين أن هذه الحرب ضد إيران مظفرة حتماً ما لم تأت الخيانة من داخل الولايات المتحدة نفسها. إذا وضعنا ذلك جانباً، وعدنا الى كتاب هانسون “المقتلة والثقافة” وجدناه يستند إلى تاريخ من المعارك، في طليعتها سلاميس، ليؤكد أنها أبرز “نمطاً غربياً في القتال” يقوم على الجهوزية للتصادم المباشر، والمعركة الفاصلة، وجيش من “المواطنين – الجنود”، وعلى “الكارناج” أي الاستعداد لإرتكاب المقتلة بدم بارد. بصرف النظر عن صعوبة الحديث عن “نمط غربي للقتال” يجتاز كل الدهور، فإذا أخذنا بمعايير هانسون هذه، والتي جعلها لا تقلّ أهمية عن مسألة التفوق التكنولوجي، فهل تتجه الحرب الحالية نحو المعركة الخاطفة أم نحو الاستنزاف؟ في سلاميس استدرج اليونانيون أسطول عدوهم الى مضيق لا تنفع فيه لا كثرة السفن ولا كثرة الجنود. لكن ماذا عن هرمز؟ ماذا عن اليوم؟ هل ثمة سيناريو ثالث، لا هو الاستنزاف المزمن، ولا هو المعركة الفاصلة؟ بعد كل شيء، ليس في كل مرة، حاول اليونانيون أو الرومان أو الغربيون من بعدهم أن تكون هذه المعركة أو تلك فاصلة فهي كانت كذلك. فكم من استنزاف طويل الأمد بدأ بتعويل على المعركة الفاصلة والخاطفة. حروب الاستنزاف الطويلة ليست حكراً على “الشرق” نفسه، تماماً مثلما هو “الهيبريس” الذي بلور أسخيلوس مسرحيته التراجيدية حوله.



