انهيار الدبلوماسية التقليدية واعتناق فوضى ترامب

سامح المحاريق

حرير- يجتمع وزيرا الخارجية الباكستاني والصيني ليطرحا مبادرة من خمس نقاط للخروج من مأزق الصراع في الخليج، ووقف الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، ولا تقدم المبادرة جديدا ولا مختلفا عن غيرها مما جرى طرحه، إلا لو كانت استكمالا للتنسيق الرباعي بين مصر وباكستان والسعودية وتركيا، ومحاولة لمنح الجهود المبذولة لوقف الحرب من قبل هذه الدول بعدا دوليا.

تظهر الجهود الدبلوماسية التقليدية التي تجري من خلال البيانات وتحاول صياغة المبادرات غير ذات جدوى أمام الرئيس الأمريكي ترامب، الذي أدخل دبلوماسية الشؤون العائلية باستدعائه للعلاقة الزوجية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ظل ما يمكن وصفه بتصفية الحسابات مع الدول الأوروبية، التي تتخذ موقفا مخيبا من وجهة نظر الرئيس الأمريكي، وتحرمه من فرصة الظهور على رأس تحالف دولي في هذه الحرب.

في المقابل، يجري الحديث عن قنوات تفاوضية لا يعرف أحد مرجعيتها داخل إيران، ولكن الرئيس ترامب وحده يراها منتجة ومثمرة، ويمكن أن تقود لمخرج من الحرب، ولكن ما هو على وجه التحديد؟ لا أحد يعلم، لأن هوية هذه الجهات ما زالت غامضة، وتخضع للتخمينات، وفي الوقت نفسه، هي مؤثرة ومتنفذة لدرجة أنها تقدم هدايا كبرى لإظهار حسن النوايا، وهي في الوقت ذاته، جزء من النظام الذي لم يعد العالم متيقنا أصلا من شكله وتركيبته، ويشمل هذا التعميم الرئيس الأمريكي نفسه، ومختلف الأطراف، لأن آلية تعبئة الفراغ الذي خلفته وما زالت الاغتيالات الإسرائيلية ما زالت غامضة، وربما تكون مرتجلة وغير مستقرة أو مستدامة.

لم تعد مشكلة العالم اليوم هي التعامل مع تحدٍ كبير، ويمكن القول إن العالم اكتسب خبرةً معه في أزمات مثل، الحرب الكورية أو أزمة الصواريخ الكوبية، ولكن المشكلة الكبرى تكمن في وجود تحدٍ غير واضح، يختلق السياسيون والمتابعون قاموسا جديدا من التعريفات لتوصيفه، فالدبلوماسية لم تعد تلك التي نعرفها، والتفاوض يبدو مختلفا عن أي خبرات سابقة، ومن يسرف في إصدار التعريفات والتوصيفات رجل لم يستوعب القديم منها، ومع ذلك لا يتردد في تقويضه واستصدار نسخته الخاصة.

مع انطلاق الحرب وتمددها لتشمل اعتداءات إيرانية على دول الخليج العربي، بدأ الالتفاف الأمريكي حول إعادة تعريف العلاقة مع دول الخليج، ومع مفهوم أمن الخليج والمفاهيم الفرعية المؤسسة عليه مثل، أمن الطاقة في العالم، ووضعت شخصية ترامب الاستعراضية، دول الخليج في مأزق كبير، فهي ترفض الحرب ولا تريدها، ومع ذلك، تستثمر الاعتداءات على المصالح الأمريكية على أراضيها، وعلى أهداف ذات طبيعة مدنية ورمزية داخلها، لتجعلها جزءا من الحرب، ويتشكل محور خليجي قوامه الأساسي، مفاهيم الأمن والاستقرار التي لا يفهمها الرئيس الأمريكي، إلا من خلال منظور تحويلها إلى ضغوطات اقتصادية يمكن أن تنعكس على المواطنين الأمريكيين، وهو ما بدأ يحدث، ليطلق ترامب دوامات من توجيه اللوم لحلفائه المفترضين الذين لم يشاورهم في موعد الحرب، أو تفاصيلها أو أهدافها، ويشمل ذلك حلف شمال الأطلسي الذي أصبح مهددا بانسحاب أمريكي نتيجة لما يتصوره الرئيس ترامب خذلانا، مع أن أي من دول الحلف لم تتعرض إلى اعتداء إيراني يبرر خوض الحرب.

في ظل هذه الفوضى من المفاهيم وتوظيف المصطلحات في غير مكانها المتفق عليه، وإنتاج مصطلحات جديدة، يظهر القانون الدولي غائبا تماما، لدرجة أن أحدا لم يعد يتحدث عنه إلا في سطور خجولة من البيانات الدبلوماسية التي تصدرها الدول التي تسعى لتسوية الصراع في المنطقة، والقانون بشكل عام ليس المجال المفضل لترامب الذي يعتبر أن المرجعية الأخلاقية لأي قرار يتخذه هي ذاتية ونابعة من تقديره الخاص، سواء كان ذلك داخل البنية المؤسسية الأمريكية أو على مستوى المجتمع الدولي بأكمله.

ما تواجهه الدبلوماسية على مستوى العالم اليوم يهدد جميع المقومات الجوهرية والشكلية لتسوية الصراعات في العالم، ويفتح طريقا لصراعات مقبلة ستحمل آثارا مدمرة على الجميع، حتى لو كانت في أقصى شرق العالم، فما الذي سيمنع الصين من فرض مصطلحاتها الخاصة بتايوان على العالم، والدخول في حرب يمكن أن تؤثر على سلاسل التوريد بطريقة أعمق وأخطر مما حدث في أزمة وباء كورونا؟ لا شيء، حتى إن ترامب نفسه يرى أن أي فعل يمكن أن يصبح واقعا على أساس القدرة على تطبيقه، لا على أساس شرعيته أو قانونيته، ويسحب ذلك على التهديدات الصينية لتايوان. ما يزال يوجد ما هو أسوأ من ذلك، فالحرب التي دخلها ترامب بكثير من الاستخفاف، وبناء على معلومات جمعت من أجهزة استخباراتية غير كفؤة من جانبه، أو مغرضة من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مكنت الإيرانيين من إلحاق ضربات موجعة على المستوى الميداني، من غير أن يظهر الرد الأمريكي متناسبا مع توسعها، وهو الأمر الذي قد يغري في صراعات أخرى على سياسة القتال على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي) التي تنفذها إيران من غير أن يكون لدى الأمريكيين سياسة واضحة تجاه خطوطها الحمر، سوى المزيد من التهديدات المرسلة والتوقيتات المؤجلة التي يطلقها الرئيس للصحافيين، وأكثرها عبثا ما يلقيه واقفا أمام طائرته الرئاسية.

تظهر الدبلوماسية العالمية بتقاليدها في قائمة الضحايا، الذين يجهز عليها ترامب وهو يفعل ذلك بشكل متعمد من أجل التخلص من أية قيود يمكن أن تحد من نزواته ومن طبيعته المقامرة، والعالم في هذه اللحظة التاريخية الحرجة لا تتوقف مشكلاته عند الحرب على إيران وآثارها المباشرة وغير المباشرة، ولكنها تمتد لتصبح متعلقة بالفكر الذي يدير الحرب والقواعد الجديدة، التي تدير العلاقات الدولية والتصورات المستحدثة للمصالح الخاصة بالدول، ويسترخي القانون الدولي ليصبح مجرد مجموعة من النصوص التي لم تعد تثير اهتمام أحد، وكأنها جزء من كهنوت لديانة سرية تعاني من انقراض أتباعها. الأخطر من ذلك كله، أن التحرر الأمريكي من قواعد تسوية النزاعات، التي استقرت لعقود من الزمن، يعطي الذريعة الجاهزة لأطراف أخرى على مستوى العالم، لأن تحل مشكلاتها بالطريقة نفسها، وأن تضع ما يلزمها من قواعد بناء على فوائض القوة التي تمتلكها، لتتحول الفوضى إلى عقيدة وطريقة في الإدارة، والطريقة الترامبية تظهر وكأنها ليست بحاجة حتى للأكاذيب والدعاية، التي وظفت سابقا لتحقيق أهداف مثل احتلال العراق في 2003 لأن الرئيس هو الذي ينتج الأكاذيب شخصيا في ظل عالم لم يعد يمكنه أن يحاسبه لأنه يعتبر أن العالم أقل ذكاءً وعبقريةً منه، وأنه عالم جبان لم يجرب المقامرة بكل شيء، والخروج من وضعية رجل تطارده الديون إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والرجل الأكثر استقطابا للأضواء في العالم.

ذلك هو العالم الوحيد الذي يقنع ترامب ويراه، أما الأصول والقواعد والمبادرات وبياناتها المكتوبة بلغة تحاول التواري بالقانوني والأخلاقي فليست ضمن أطباقه المفضلة.

مقالات ذات صلة