
“العصف المأكول”… أزمة تفاوضية أم وجودية؟
جيرار ديب
حرير- أعلن حزب الله اللبناني الأربعاء الماضي إطلاق مئات الصواريخ على الشمال والعمق الإسرائيليين، ضمن ما أطلق عليها اسم “العصف المأكول”، وهي عمليات عسكرية واسعة شنّها، في تصعيد جديد في الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، اعتبرها الحزب ردّاً على الغارات الإسرائيلية المتكرّرة التي استهدفت مناطق لبنانية عدّة، بما فيها الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات في البقاع وجنوبي لبنان.
و”العصف المأكول” تعبير قرآني (سورة الفيل) يعني التدمير الكامل والتهشيم، حال أصحاب الفيل الذين استحالوا بقايا الزرع اليابس أو التبن الذي أكلته الدواب ثم طرحته ومزّقته. يُستخدم المصطلح رمزياً للدلالة على الهزيمة الساحقة، وهو عنوان أطلقته سابقاً حركة حماس (2014)، واليوم حزب الله، للدلالة على عمليات عسكرية كبرى تجاه إسرائيل. ولم يكن تبرير الحزب لإطلاق عمليته على المستوى المطلوب، في ظلّ حرب غير متكافئة يعمد فيها الإسرائيلي إلى تكتيكات ليست عسكريةً فقط، فهو يمارس الضغط النفسي، مع إطلاق موجات من الإنذارات في سبيل تهجير قسري لمناطق واسعة، إضافة إلى اتّباعه تكتيكات تنفيذ الاغتيالات من دون إنذارات سابقة في مناطق تُعتبر آمنة، لغاية في نفس يعقوب، تهدف إلى “تقليب” الرأي العام على بيئة المقاومة، ما قد يضعها أمام حرب أهلية محتملة. لهذا يُطرح التساؤل حول توقيت إطلاق عملية “العصف المأكول”، هل هي نتيجة أزمة وجودية، أم هي دعم تفاوضي؟
في منظور حزب الله والحرس الثوري الإيراني، تأتي التغييرات التكتيكية العسكرية ضمن رؤية استراتيجية واسعة ترتبط بممارسة المزيد من الضغط العسكري على تل أبيب بهدف “فرملة” آلة الحرب، لا سيّما أن العملية العسكرية الواسعة للحزب تزامنت في التوقيت مع عملية عسكرية شنّها الحرس الثوري على أهداف واسعة في إسرائيل. والتصعيد الميداني بين الأطراف المتصارعة يدفع إلى حافة الهاوية، إذ أصبحت الحرب معركةً وجوديةً يعمل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله على استخدام الوسائل الدفاعية والهجومية في سبيل الحفاظ على الوجود. لكن من منظور الدبلوماسية، اعتبر بعضهم أن العملية أتت في الوقت الذي يشهد فيه الميدان ارتفاعاً في الدعوات لتغليب لغة التفاوض على حساب لغة الحرب، في دلالة على تلك الجهود التفعيلية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتخفيف حدّة التوتر. بالتزامن، كان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد طرح (الأربعاء) ورقةً تتضمّن أربعة بنود، اتّصفت بالمبادرة الجدّية لوقف الحرب والذهاب إلى طاولة المفاوضات المباشرة مع الإسرائيلي برعاية أميركية.
مع تسارع النشاط الدبلوماسي، عمد الحزب إلى اتباع تكتيك دبلوماسي تمثّل في بيان أطلقه نائب الأمين العام لحزب الله، محمّد رعد، وضعه بعضهم في خانة إفشال مبادرة عون، التي تتضمّن في أحد بنودها التعهّد الرسمي بسحب سلاح الحزب، وتصعيد عسكري صاروخي يهدف إلى إيصال رسالة “نحن هنا” إلى المعنيين في التفاوض، على اعتبار أن الحزب لم يزل يمتلك المزيد من أوراق القوة لديه لفرض الشروط على طاولة المفاوضات. في الوقت الذي وجد بعضهم أن تفعيل الحزب آلة الزناد دلالة على إبراز فائض من القوة العسكرية التي لا يزال يتمتّع بها الحزب لتحسين شروطه على طاولة المفاوضات المزمعة إقامتها، يقرأ بعضهم الآخر في إطلاق هذه الدفعات الصاروخية، في ظلّ حديث الجيش الإسرائيلي عن الاستعداد لعملية برّية واسعة النطاق، بأنها ستنتهي بنزع سلاح الحزب، وربّما أبعد، مع تصاعد الحديث عن خطط لإحداث تغيير ديمغرافي يعمد إلى تفريغ المناطق التي يتمّ تهجيرها من مضمونها بوصفها “بيئات حاضنة”، وربّما تفريغ تلك المناطق بهدف التحضير للمرحلة المقبلة، وهي الترحيل إلى العراق.
“يقظة الموت” هو عنوان العملية الجديد لحزب الله الذي وجد أن التطوّرات الميدانية وصلت إلى مرحلة “اللاعودة”، ليس فقط مع العدو الإسرائيلي، لكن أيضاً مع القرار الرسمي اللبناني. إذ أكّد رئيس الوزراء نوّاف سلام “ألا تراجع عن موقفنا باستعادة قرار الحرب والسلم وإنهاء مغامرة الإسناد الجديد التي لم نجنِ منها سوى مزيد من الضحايا والدمار والتهجير”.
لم تعد خيارات الحزب واسعة، ولا يمتلك مزيداً من الوقت للمراوغة وسط إجماع لبناني على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وفي ظلّ مصادر أميركية أكّدت إعطاء ضوء أخضر لعملية عسكرية واسعة لن تنتهي بتسوية، بل بإخراج الحزب من لعبة التهديد الحدودي. هذا ما وضع الحزب أمام مرحلة حتمية لا تراجع عنها ترتبط باللعب على حافة الهاوية، علّ “العصف المأكول” تعيد خلط الأوراق في الداخل كما الخارج لإعادة إنتاج صياغة يحافظ فيها على الوجود، على الأقلّ سياسياً، من خلال تحقيق بعض المكاسب في ذلك. فهل سيجد الحزب ضالّته من هذه العملية؟ علماً أن مصادر في الجيش الإسرائيلي تحدثت عن إفشال وتقليص عدد الصواريخ التي كان الحزب ينوي إطلاقها من 600 صاروخ إلى 150، في دلالة على عجز الحزب عن قلب المعادلات.



