
زهران ممداني والقرآن في أمريكا
سنان أنطون
حرير- «لقد أصبح العدو داخل الأبواب» هذا ما كتبه السيناتور تومي نوبرفل من ولاية ألاباما في تغريدة عن تنصيب زهران ممداني أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك. أمّا لورا لومر، وهي من غلاة المؤثرين في اليمين الأمريكي، فكتبت «مقزّز! نحنُ بلد مُحْتَل». ولم يقتصر هذا الرُهاب على اليمين الأمريكي، فقد كتب العنصري الهولندي، غيت فيلدرز، في تغريدة له، أن القسم الذين أداه زهراني «باطل. لا للقرآن. ليست الولايات المتحدة إسلامية. بعد».
كل هذا وذاك لأن زهراني أدى اليمين ليلة الأربعاء واضعاً يده على القرآن. ولعل الغضب سيتضاعف حين يدرك هؤلاء وأمثالهم وجود أكثر من قرآن في المراسم. فالأول كان يعود لجد ممداني. أما الثاني فقرآن صغير بحجم اليد من مكتبة نيويورك العامة، من مجموعة مركز شومبرغ، الذي يعنى بالثقافة السوداء. وآرتورو آلفونسو شومبرغ (1874-1938) كان مؤرخاً وكاتباً من أصل بورتوريكي، عمل على توثيق تاريخ السود والمسلمين في نيويورك. ويعود تاريخ القرآن الثاني، حسب تقديرات الخبراء من نوع الورق والتجليد، إلى نهايات القرن الثامن عشر، أو بدايات القرن التاسع عشر. وليس مزخرفاً أو مذهباً، مثل الكثير من النسخ القديمة المحفوظة في المكتبات الأمريكية. وفي اختياره رمزيّة يحرص عليها ممداني وفريقه، فهذه نسخة مهاجرة، مثل العمدة الجديد، ولكنها استوطنت نيويورك منذ عقود.
ليس ممداني أول سياسي منتخب في الولايات المتحدة يختار القرآن في مراسم تأدية اليمين، ففي سنة 2006 انتخب كيث إليسون عضواً عن ولاية مينيسوتا وكان أول مسلم يصل إلى الكونغرس، وأدى اليمين الدستوري في بداية 2007 واختار نسخة تاريخية من القرآن، كانت تعود لتوماس جيفرسون (1743-1826) أحد «الآباء المؤسسين» وثالث رئيس للولايات المتحدة. كان إليسون إلى اليسار من معظم زملائه المنتخبين من الحزب الديمقراطي، وبأجندة تقدميّة. وأثار اختياره القرآن آنذاك استياء الكثيرين وطالته هجمات رهاب الإسلام والعنصرية من المحافظين ومن اليمين. أعيد انتخابه وظل في الكونغرس حتى 2019، وأصبح بعدها المدعي العام لولاية مينيسوتا. واتهمه أحد كبار المتبرعين الصهاينة للحزب الديمقراطي حاييم سابان، في 2016، بمعاداة السامية، بسبب مواقف داعمة لفلسطين ولغزة آنذاك.
وفي 2008، بعد سنة من انتخاب إليسون، انتخب آندريه كارسون، عضواً في الكونغرس عن ولاية إنديانا، وكان مثل إليسون، قد ولد في عائلة مسيحية، لكنه اعتنق الإسلام. في 2019 انضمت إليهما إلهان عمر، عن ولاية مينيسوتا، ورشيدة طليب، عن ولاية ميشيغان. وكانت طليب قد اختارت نسخة القرآن المحفوظة في مكتبة الكونغرس، التي تعود للرئيس جفرسون لأداء القسم، لكنها عدلت عن ذلك واستخدمت قرآناً يعود للعائلة. ولم يكن توماس جفرسون الرئيس الأمريكي الوحيد الذي كان يمتلك نسخة من القرآن، فقد كان لدى سلفه، جون آدامز (1735-1826)، الرئيس الثاني للولايات المتحدة، نسخة من أول طبعة للقرآن في الولايات المتحدة صدرت في 1806 في ولاية ماساشوستس، وما تزال محفوظة في مكتبة مدينة بوسطن العامة. وحسب كتاب المؤرخة دنيس سبيلبيرغ «قرآن توماس جفرسون: الإسلام والمؤسسون» (2014) فقد كان هناك اهتمام واسع بالقرآن بين البروتستانت في إنكلترا وفي الولايات المتحدة كذلك، وأصبح من بين الكتب الأكثر مبيعاً آنذاك. وتتنوع الأسباب، من بينها الفضول، لكن ترجمة القرآن والاهتمام به كانا أيضاً لدوافع لها علاقة بالحملات التبشيرية ومنطلق «اعرف عدوك».
صدرت أول ترجمة للقرآن إلى الإنكليزية في 1649 بتوقيع ألكساندر روس، لكنها كانت نقلاً عن ترجمة فرنسية. في 1734 نشر جورج سيل أول ترجمة إنكليزية للقرآن مباشرة من العربية (وان اعتمدت على نسخة عربية مرفقة بترجمة لاتينية أنجزها لودوفيكو مراتشي في 1698) وذكر سيل في مقدمته أن الهدف من فهم القرآن، هو مساعدة البروتستانت على فهم القرآن لمحاججته. في 1765 طلب جفرسون نسخة من هذه الترجمة أرسلت إليه من إنكلترا إلى ولاية فرجينيا حين كان طالب قانون في عشرينياته. وقد أثارت فضوله مقدمة المترجم الطويلة (حوالي 200 صفحة) التي يسهب فيها حول معتقدات وشعائر المسلمين وآرائهم في الشريعة. كان جفرسون مهتماً بصياغة تشريعات لقوانين تضمن الحرية الدينية وحرية العبادة، على الرغم من آرائه وأحكامه السلبية على الأديان عموماً، بالذات الكاثوليكية والإسلام. حيث انتقدهما في جدالاته السياسية لأنهما «يخنقان حرية البحث». صاغ جفرسون قانون الحرية الدينية لولاية فرجينيا في 1786. كما حاجج ودعا إلى إضافة تعديلات على الدستور الأمريكي، وكان أولها في 1791 الذي يؤكد «لا يجوز للكونغرس سن أي قانون يتعلق بتأسيس دين، أو يمنع ممارسة الشعائر الدينية بحرية؛ أو ينتقص من حرية التعبير، أو حرية الصحافة». وكتب جفرسون في سيرته الذاتية، في ما بعد أن الغاية كانت أن تحمي التشريعات «اليهودي وغير اليهودي، المسيحي والمسلم، والهندوسي والكافر».
هل كان هناك مسلمون في الولايات المتحدة حين كتب جفرسون هذه الكلمات؟ نعم بكل تأكيد. ويقدّر المؤرخون أن نسبة تتراوح بين 15 إلى 30 في المئة من الرجال والنساء الذين استعبدوا واستقدموا من غرب افريقيا كانوا مسلمين. وكان جفرسون، مثل غيره من «الآباء المؤسسين»، يملك عدداً منهم (600 طوال حياته) واستقدم عدداً منهم إلى البيت الأبيض. لا يتّسع المجال هنا للتطرّق إلى آرائه ومواقفه وممارساته المتناقضة من العبودية، ولا التناقض بين النظرية والممارسة. لا يوجد دليل قاطع على أن أياً من المستعبدين الذين كان يملكهم كانوا مسلمين. أما جورج واشنطن أول رئيس للبلاد، فقد أظهرت سجلّات الضريبة أن من بين «ممتلكاته» امرأة كان اسمها فاطمة. وبمرور الزمن وأساليب العنف ومحو الذاكرة واستعبادها، ضعفت وانقطعت الصلات، واعتنقت الأجيال اللاحقة من المستعبدين المسيحية. لكن هناك من قاوم المحو. واحدة من الوثائق النادرة في هذا السياق هي مخطوطة العالم عمر بن سعيد (1770-1864) وهي الوحيدة المكتوبة بالعربية من بين مذكرات المستعبدين في أمريكا. يصف بن سعيد في سيرته ولادته وطفولته في فوتا تورو، في ما يعرف اليوم بالسنغال، وذهابه طفلاً إلى منطقة بوندو ودراسته اللغة العربية والعلوم الشرعية على يد أخيه الشيخ محمد بن سعيد. ثم عودته إلى قريته حيث ظل يدرّس هناك لست سنوات قبل قدوم جيش كبير واختطافه ووضعه على متن سفينة كبيرة في 1807 ووصوله إلى تشارلستون في ولاية نورث كارولاينا. وعانى وعذّبه مالكه فهرب، ولكن ألقي القبض عليه وبدأ بالكتابة على جدران السجن. اكتُشفت المخطوطة المكتوبة بالعربية، التي تسرد سيرة حياة عمر بن سعيد في 2017 وحققها وترجمها إلى الإنكليزية علاء الريس، وصدرت عن دار نشر جامعة وسكونسن في 2011 مع دراسة في كتاب «عبد مسلم أمريكي: حياة عمر بن سعيد».
إذن تاريخ وجود المسلمين في الولايات المتحدة أطول مما تسمح به ذاكرة الفاشيين والعنصريين ونسخ التاريخ المزيّف والمبتور، التي يعتمدونها في خطابهم وأفقهم الضيق.



