كيف تتعامل مع الكلاب الالكترونية؟

د. فيصل القاسم

حرير- من واقع التجربة لا من الكتب، تعلّمت أولى دروسي في التعامل مع الكلاب وأنا طفل أرعى الأبقار في أطراف القرية. كنا نسير بالبقر نحو المراعي، فتظهر من بعيد كلاب نحيلة تتظاهر بالشراسة والقوة، تنبح وتزمجر كأنها ستحطم العالم. كنا نرشقها بالحجارة فنكتشف أننا ارتكبنا الخطأ الأكبر؛ لأننا بمجرد أن نلتفت إليها نمنحها ما تريد: الانتباه. كانت الكلاب تزداد نباحاً وجنوناً كلما رأت أننا سمعناها. وبعد تجارب طويلة مع تلك الكلاب، أدركنا القاعدة الذهبية: الكلب الذي لا يلقى من يردّ عليه، يصمت من تلقاء نفسه، أو ينبح بألم شديد.

تلك القاعدة البسيطة من أيام المراعي، صارت فيما بعد فلسفة كاملة في الحياة. اكتشفت أن العالم مليء بالكلاب النابحة: في السياسة، في الإعلام، في مواقع التواصل، في كل زاوية يوجد من يهوى أن ينبح ليُسمع صوته، لا لأنه يملك شيئاً ليقوله، بل لأنه لا يحتمل أن يكون صامتاً ومهمشاً، أو أنه ينبح بفلوس لصالح غيره.

اليوم، الكلاب لم تعد تلهث على أطراف المراعي، بل تلهث خلف الشاشات. البعض يرتدي بدلة ويجلس أمام كاميرا أو خلف حساب وهمي، لكنه في جوهره لا يختلف عن ذلك الكلب القروي الذي كان ينبح على المارة. فقط الفرق أن الكلب الأول صادق في نباحه، بينما هؤلاء يتصنّعون “التحليل” و”الوعي” و”الجرأة” وهم لا يملكون سوى صراخٍ فارغٍ ملفوفٍ بورق منمّق.

إنهم لا يعيشون إلا إذا سمعوا صدى نباحهم في ردّك. يكتبون تفاهة وشتائم وإساءات، فينتظرونك لترد، لتشتم، لتشرح. لأن ردّك يمنحهم أكسجين الوجود. أما حين تتجاهلهم، فهم يختنقون، يصرخون أكثر، يكررون نباحهم عشرات المرات، ثم يسقطون من الإعياء.

والأجمل أنك تراهم وهم يحاولون أن يلفتوا انتباهك بمزيج من الحقد والغباء. مرة يهاجمونك باسم “الرأي الحر”، ومرة باسم “الوطنية”، ومرة باسم “المعارضة”، ومرة باسم “الكرامة”، وهم في الحقيقة لا يملكون ذرة شرف أو كرامة، ويريدون فقط لفت الانتباه، لأن ذكرك أو ردك عليهم لهم هو بمثابة وسام شرف على صدورهم المهترئة.

من يراقب “الكلاب النابحة” يدرك أن النباح بالنسبة لهم ليس مجرد عادة، بل استراتيجية وجود. لأنهم لا يستطيعون الصعود، فيحاولون شدّك للأسفل. الكلب لا يحاول أن يصبح راعياً، بل يحاول أن يعيق الراعي عن الوصول. لا يملك هدفاً، بل فقط يريد أن يمنعك من هدفك. تماماً مثل الحاقد الذي لا يسعى للنجاح، بل يسعى ألا تنجح أنت.

كل نباح في حياتك، في العمل أو السياسة أو الإعلام، ليس إلا محاولة لجذبك إلى مستواهم. والمثل الإنجليزي يقول: “لا تصارع خنزيراً في الوحل، فهو يستمتع بينما أنت تتسخ” ولو نزلت إلى حضيرته فقد خسرت، لأن المعركة مع خنزير أو كلب لا تُكسب بالحجارة، بل تُكسب بالابتسامة والسخرية واللامبالاة. وتذكر دائماً أن التجاهل صفعة من دون يد.

أقسى ما يمكن أن تهديه لمن يكرهك ويموت حقداً عليك هو التجاهل، لأن الحاقد يتغذى على ردّك. يريد أن يراك غاضباً، متوتراً، مستنزفاً مهتماً به. وحين تتجاهله، تكسر عموده الفقري دون أن تلمسه. كلما رددت، أعطيته حياة. وكلما سكتّ، دفنته بالصمت.

من يتقن التجاهل يعيش بسلام داخلي لا يعرفه أولئك الذين يطاردون كل كلب بحجر. لأنك إن رميت حجراً على كل نباح فربما ستضطر إلى شراء الحجارة. أما حين تمضي دون التفات، تصل وأنت مرتاح وهادئ، بينما الكلاب تلهث خلفك بلا جدوى حتى تسقط من التعب.

هناك نوعان من الكلاب: الكلب الجبان والكلب المسعور. الحياة مليئة بالنماذج. هناك “الكلب الجبان” الذي ينبح كثيراً، يهوّل، يهدد، يتفلسف، لكنه في الحقيقة يخاف من ظله، ومعظم منشوراته عنتريات فارغة و”قماط عالباط”. هذا لا يعض، لأنه يستهلك كل طاقته في العواء كما يقو المثل الصيني. وهناك “الكلب المسعور”، وهذا لا يحتاج ردّاً ولا حجراً، بل البلدية تعرف شغلها جيداً وتعرف كيف تتعامل مع هذه الحالات الخاصة المريضة، أما البقية، فمجرد “هوبرات” و”بعبعات” كما نقول في القرى. يصرخون ليقنعوا أنفسهم أنهم أقوياء وموجودون ومؤثرون، وأن أصواتهم تحدث فرقاً، بينما القافلة تمرّ ولا تلتفت.

في الإعلام والسياسة تصرف كما كنا نتصرف في المراعي. كل مرة ترى فيها موجة من الشتائم أو الافتراءات أو الضجيج على مواقع التواصل، تذكّر المراعي القديمة. هؤلاء ليسوا سوى كلاب عند أطراف الطريق، يرونك تسير فينبحون لأن مرورك يذكّرهم بعجزهم عن الحركة. وحين تردّ عليهم، تكون كمن نزل عن حصانه ليشرح لحمارٍ معنى السباق. لن يفهم، لكنه سيغتبط بأنك خاطبته أصلاً.

في الإعلام، الردّ على السفهاء يعطيهم حجمهم الذي لم يحلموا به. أما تجاهلهم، فيعيدهم إلى حجمهم الحقيقي: لا شيء.

الهدوء والتجاهل سلاح النبلاء عزيزي. في زمن الضوضاء، الهدوء أصبح رفاهية الأقوياء. الصراخ لا يدل على الشجاعة، بل على قلة الحيلة. والكلب الذي ينبح لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه ضعيف لدرجة أنه يحتاج للصوت ليخيف نفسه قبل أن يخيف غيره.

أما من يعرف قيمته، فلا يردّ على كل نباح، ولا يبرر كل حركة، ولا يشرح لكل أحمق. يمضي واثقاً أن الطريق لا تُرصف بأصوات الكلاب، بل بخطوات القوافل.

الخلاصة: امضِ ولا تلتفت. في النهاية، العالم كله سيبقى كما هو: كلاب تنبح على أطراف الطريق، وقوافل تمضي إلى أهدافها. بعض الناس يعيش ليعمل، وبعضهم يعيش لينبح. والفرق بينهما كالفرق بين الراعي والكلب: الأول يسير نحو رزقه، والثاني ينبح ليُسمع نفسه أو ليرضي الراعي تماماً كالذباب الالكتروني الذي يملاً الأثير قذارة كي يُرضي مشغليه، فامضِ في طريقك. لا تشرح، لا ترد، لا تبرر. الكلاب النابحة لا توقف القافلة، بل تفضح نفسها بصوتها. وكل نباح جديد ما هو إلا اعتراف بأن القافلة ما زالت تمرّ. وتذكر دائماً: كلما ازداد النباح من حولك فاعلم أنك القافلة، ولا تنس مقولة أحد أعظم السياسيين والأدباء والفنانين البريطانيين وينستون تشيرتشل الشهيرة: “إذا توقفت لترمي حجراً على كل كلب ينبح لن تصل إلى وجهتك أبداً”.

مقالات ذات صلة