المُهمّة الغائبة والمُغيَّبة في الصومال

محمود الريماوي

حرير- أثار اعتراف دولة الاحتلال الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال مشاعر عديدة تختلط فيها الصدمة بالدهشة؛ إذ إن كثرةً من الناس يجهلون أن ثمّة كياناً مقتطعاً في أرض جمهورية الصومال يقع في شمال البلاد، ويقطنه زهاء خمسة ملايين نسمة، وأنه قد مضى على إنشائه نحو 34 عاماً من دون أن يعترف به أحد. رغم ذلك، كان الوضع فيه مستقرّاً على العموم، فيما كان إرث الحروب والصراعات القبلية والانقلابات العسكرية من نصيب الجمهورية الواقعة في جنوبي البلاد، التي تحظى بأكبر اعتراف دولي. وكانت مشكلات الصومال في الوعي العام تتمحور حول نشاط منظّمات متطرّفة، تتمثّل على الخصوص في حركة الشباب الإسلامي ذات النزعة الإرهابية، وما نجم من ذلك من إعاقة فرص التنمية وتبديد ثروات البلاد البشرية والاقتصادية.

في المقابل، بدأ الوضع الأمني يتحسّن في السنوات الماضية نتيجة وجود قوات حفظ سلام تابعة للاتحاد الأفريقي، وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر، التي لم تتردّد في إرسال أسلحة طلبتها مقديشو لتعزيز قدراتها في مواجهة المنظّمات الإرهابية. كما تحسّن الوضع بفضل الدعم الذي تلقّته مقديشو من تركيا، ويشتمل على استثماراتٍ وقاعدة عسكرية. وبذلك ساد انطباع لم يجانبه الصواب بأن الصومال، الدولة العضو في جامعة الدول العربية، تتجه إلى التعافي التدريجي، ولكن من دون أخذ مشكلة “أرض الصومال” في الحسبان. فقد ركنت مقديشو إلى فشل الإقليم في كسب أي اعتراف، حتى إن هرجيسا (العاصمة) عرضت على الولايات المتحدة أن تدير الأخيرة ميناء بربرة مقابل الاعتراف بها كياناً مستقلّاً، إلا أنها رفضت العرض. بل إن الرئيس دونالد ترامب أبدى (قبل أيام) عزوف القوة العظمى عن الاعتراف بهذا الكيان، ما إن تبلّغ باعتراف تل أبيب به، رغم مباهاة رئيس “أرض الصومال” عبد الرحمن محمد عبد الله بأنه سوف ينضمّ إلى الاتفاقات الإبراهيمية.

ولعلّ الخطأ الكبير الذي وقعت فيه مقديشو تمثّل في عدم وضع إعادة توحيد الصومال على جدول الأعمال الوطنية ضمن الأجندة السياسية المُعلَنة، وهو ما أسهم في تغييب أمر هذا الكيان من الأجندات الإقليمية والدولية، إلا بحدود، كما كان الحال مع إثيوبيا، التي شاءت الحصول على منفذ بحري أو على امتيازات في هذا المنفذ مع وجود عسكري، مقابل الاعتراف بهذا الكيان. وقد أثار هذا التوجّه، منذ مطلع عام 2024، حفيظة مصر التي رأت في هذه الخطوة محاولة إثيوبية لتوسيع النفوذ. ورغم اتفاقية وُقّعت بين أديس أبابا وهرجيسا، تُمنح بموجبها الأولى حقّ استخدام ساحل يمتدّ 20 كيلومتراً 50 عاماً، إلا أن إثيوبيا لم تعترف بالكيان الانفصالي، وذلك بعد أن هدّدت مقديشو بقطع العلاقات مع أديس أبابا. وثمّة خشية من أن يؤدّي الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” إلى اعتراف إثيوبي، علماً أن التقرّب الإثيوبي من الإقليم أثار شهية تل أبيب لإبرام صفقة الاعتراف بهذا الكيان.

وفي واقع الحال، إن دول جامعة الدول العربية لم تضع مسألة توحيد الصومال وإنهاء ظاهرة الكيان الانفصالي في موقع متقدّم من أجندتها السياسية، لأن مقديشو نفسها لم تبادر إلى ذلك عقوداً، باستثناء فترات التوتّر بين الجانبَيْن، وآخرها بعد محاولات أديس أبابا تكريس نفوذها في هذا الجزء من القرن الأفريقي. والآن، بات التطوّر الجديد يفرض نفسه على الأجندات العربية، وبخاصّة أن سبع دول عربية تتشارك في مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن. ويضمّ المجلس (تأسّس في 2020) السعودية ومصر والسودان والأردن واليمن وإريتريا والصومال وجيبوتي، وكان الغرض من إنشائه تعزيز الأمن والاستقرار وحماية الملاحة والتجارة في هذه الممرّات البحرية.

وترى مصر أن الوجود الإسرائيلي المزمع في “أرض الصومال” يشكّل تهديداً لها وتحدّياً للوجود الأفريقي والمصري في قوات حفظ السلام على الأراضي الصومالية، كما يمثّل تحدّياً لاتفاقية الدفاع المشترك بين مقديشو والقاهرة (2024). كما أن من شأن وجودٍ عسكريٍّ وأمنيٍّ إسرائيلي أن يشكّل تحدّياً لتركيا التي تقيم قاعدةً عسكريةً لها في الصومال. وقد سارع رئيس الصومال حسن شيخ محمود إلى زيارة أنقرة غداة الإعلان عن الاعتراف الإسرائيلي بالكيان الانفصالي، ووصف من هناك العلاقات التي تجمع بلاده بتركيا بأنها ذات طابع استراتيجي، فيما قال الرئيس أردوغان بالمناسبة: “الحفاظ على وحدة الصومال وسلامته في جميع الظروف أولوية قصوى بالنسبة إلينا”.

وبينما لقيت الخطوة الإسرائيلية تنديداً دولياً واسع النطاق شمل الصين والاتحاد الأوروبي ومنظّمتي الاتحاد الأفريقي والتعاون الإسلامي، لن تغيّر هذه المواقف السياسية كثيراً في مجريات الأمور إذا ما جرى الاكتفاء بها. وحتى لو جرى استصدار قرار من مجلس الأمن يدين الخطوة الإسرائيلية، فقد لا يبدّل هذا كثيراً، لأن تل أبيب متخصّصة في تحدّي الشرعية الدولية، وباتت تضع، في هذه الآونة، شقّ الكيانات العربية وتأليب المكوّنات الطائفية والعرقية على بعضها في جدول أعمالها اليومية، حتى لو لم تنل موافقةً أميركيةً على سلوكها هذا.

ومن حق جمهورية الصومال، كما من حقّ مصر، تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بينهما؛ فقد باتت مصالح وحقوق الطرفَيْن مهدّدةً نتيجة هذا التطوّر. وفي واقع الحال، يمثّل هذا التطوّر تحدّياً جديداً لمصر يضاف إلى تحدّي سدّ النهضة والتمدّد الإسرائيلي في غزّة على الحدود مع مصر، وهو ما يقتضي أن يعود البلد الأفريقي الكبير والبلد العربي الأكبر إلى أداء دور إقليمي أكبر؛ إذ ثمّة قوى لا تريد أن تترك مصر لحالها، بعدما بدا خلال العقد الماضي أنها انكفأت لمنح أولوية مطلقة لشؤونها الداخلية على حساب نفوذها الخارجي وحضورها الإقليمي.

مقالات ذات صلة