
الانتفاضة الإيرانية والنظام اللاهي عن تجديد شبابه
وسام سعادة
حرير- منذ انتهاء «مدة» رئاسة السيد محمد خاتمي عقب اختتام ولايته الرئاسية الثانية عام 2005 وانتقال الرئاسة المحكومة أساساً بمرشدية الولي الفقيه وتحكمية الحرس الثوري، من التيار الإصلاحي الواهم نفسه بالتدرج والتراكم، وبتسييس مجتمع مدني عاجز عن حمايته كما عن الاحتماء به سواء بسواء، إلى الشعبوي المهدوي محمود أحمدي نجاد، لاعب ورقة «مستضعفي» الثورة الإسلامية في وجه دواوينييها ومهندسي التوازنات – شأن رفسنجاني، وإيران تشهد وبشكل دوري موجات انتفاضية شعبية واسعة النطاق ضد النظام الثيوقراطي الذي فرض نفسه في أعقاب تهاوي النظام الشاهنشاهي وورث منه الكثير، لا سيما ما اتصل بتسليط أجهزة الأمن على الناس والطابع المحدود والهش لما هو مسموح به من تعددية سياسية.
فمن الحركة الخضراء عام 2009 الرافضة لتزوير الانتخابات الرئاسية، إلى موجة 2017-2018 إلى غضب 2019 في إثر زيادة حادة في أسعار البنزين إلى ما فجرته أزمة الجفاف وسوء إدارة الموارد عام 2021 وقد انتقلت من خوزستان، الى الوثبة الضخمة في إثر مقتل الشابة الكردية مهسا أميني بعد توقيفها على يد «شرطة الأخلاق» كما تسمى، إلى الانتفاضة الحالية وقد أزكاها تدهور الحال الاقتصادية مع انهيار العملة وغلاء المعيشة، يمكن الحديث عن انتفاضات إيرانية خمس أو ست في عقدين من الزمان. لم تتبع كل هذه الانتفاضات النموذج نفسه في الانتشار والمواجهة. اختلف القالب الاجتماعي بين منازلة وأخرى. لم تثبت الخارطة الانتفاضية على زخم واحد. حركة 2009 نهضت بها الطبقة الوسطى المدينية، وتركزت إثنيا بين الفرس ومن ثم الأذريين. هذا في مقابل قالب اجتماعي منتم الى سكان الضواحي وأهالي الأطراف في موجة 2017-2018، وشعارات تدين الفشل الاقتصادي الاجتماعي للنظام من دون التجذر في الإدانة السياسية المصممة له.
نوفمبر 2019 كذلك الحال، وقت «أزمة البنزين». بدءا من عرب خوزستان، وصول الى الأكراد غربا، والتركمان شرقا. إنما من دون خرق خطير للكتلة الفارسية والأذرية. هذا مع أن التسييس، بمعنى التصويب المباشر على النظام الإسلاموي، كان أكثر وضوحا. الانتفاضة التي فجرها مقتل مهسا أميني كانت لها سمة كردية، لكنها خرقت الكتلة الفارسية بعمق، من خلال مشاركة الطبقة الوسطى المدينية والشباب في المدن الكبرى. وفي بلد كإيران توازي المطالبة بالحريات الشخصية الأساسية عمليا المطالبة بسقوط النظام.
إذا وضعنا جانبا ما اكتسبه النظام الإسلامي من خبرة في مواجهة الاحتجاجات وإخمادها ما بين بطش واستيعاب واستثمار في تناقضات الموجات الاحتجاجية نفسها، يمكن البناء في الوقت نفسه على أن القالب الاجتماعي للانتفاضة الحالية أوسع من جميع الاحتجاجات السابقة. من تجار البازار والطلاب إلى الطبقات الشعبية، في المدن الكبرى كما في المدن ذات الخلفية الريفية. أما على مستوى التوزع الإثني المناطقي فدرجة التنوع واسعة، ولو أنه لا يمكن القول حتى الآن أن الكتلة الفارسية – الأذرية المشتركة من القوى والشرائح المتصلة بالنظام تعيش لحظة تحلل لصلتها به. وعلى الرغم من أن السخط على الوضع الاقتصادي يبدو أكثر اتصالا اليوم بالشعارات الداعية لإسقاط النظام، فإن النقلة من «الاقتصادي» إلى «السياسي» لا تزال متقطعة، والهوة بين المحتجين وبين المناهضين المنهجيين للنظام، بالسر أو في المنفى، لا تزال حقيقية.
في المقابل، يأتي الحراك الحالي بعد نصف عام على الحرب التي شنتها إسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية، وشهدت في أيامها الأخيرة تدمير المنشآت النووية بالتدخل الأمريكي الجوي. مثلما يأتي في أعقاب ما أصاب وكلاء إيران في الإقليم، وبالأخص حزب الله، وسقوط النظام الموزع في الولاء بين إيران وروسيا في سوريا.
لقد تابعت قطاعات واسعة من الإيرانيين في العام الماضي كيف أن الحديث عن إيجابيات أو عن محاذير سقوط النظام الإسلامي في بلادهم كان مساحة لاختلاف «لا يفسد في الود قضية» بين واشنطن وتل أبيب. هذا بحد ذاته يولد شعورا متناقضا. فمن جهة، هو شعور بمستوى هشاشة النظام نفسه، سواء بالنسبة لمن يواليه أو بالنسبة لمن يستشعر به كنير جاثم على صدره. ومن جهة ثانية، هو ظن أن «الاستكبار العالمي» من يقرر، وليس هم، إن كان هذا النظام يذهب أو يبقى. هذا الشعور المتناقض يحمل معه ما يشجع على التحرك ضد النظام وما يلجم هذا التحرك، طالما ساد الاعتقاد بأن القرار بسقوط النظام يتخطى العلاقة بين النظام وبين الشعب الإيراني.
الإيرانيون يشعرون بأن النظام هش داخليا. حتى مؤيدوه يدركون حدود قدرته على إدارة البلاد دون الاحتجاجات المتكررة وذات الطابع الانتفاضي.
في المقابل، الاعتقاد بأن القرار النهائي «أمريكي» وليس داخليا يخلق ضبطا ذاتيا في الصدور: بحيث التردد في دفع الحراك إلى مرحلة تصادم مباشر وشامل ولا رجعة فيه مع النظام، تحسبا من نتائج خارجية لا يمكن استشرافها مسبقاً.
يأتي تصريح دونالد ترامب الأخير فيرسل في هذا السياق إشارة ضغط سياسية واضحة إلى القيادة الإيرانية: دون القمع الواسع النطاق التدخل المباشر. وهذا يعزز الشعور بأن مصير النظام مراقب دوليا. في الوقت نفسه هذا الموقف من شأنه فرز المحتجين. بين الذين يخشون التورط في صراع وجودي تام مع النظام، وبين الجماعات التي تراهن أساسا على الإسناد الخارجي لها. هكذا فرز له مدلول إثني ومناطقي بالضرورة في حال إيران. صعوبة تأطير كل دواعي ومنطلقات السخط والتبرم من النظام في كل برنامجي واحد كانت دائما تسهل المسائل أمام النظام لتجديد سطوته.. إنما ليس أبدا لتجديد شبابه. لكن إلى متى يمكن أن يظل نظام من الأنظمة قادرا على تجديد سطوته بالاستفادة من عدم جهوز البديل عنه، في مقابل إخفاقه في تجديد شبابه؟ ربما كان هذا السؤال فاتحة للتفريق ضمن الأنظمة السلطوية، بين حزب شيوعي صيني نجح في أكثر من منعطف بالربط بين تجديد الهيمنة وبين تجديد شبابه، وبين حال إيران أو حتى روسيا. تجديد السطوة من دون تجديد شباب النظام. آخر مرة حاول فيها النظام الإسلامي تجديد شبابه كانت مع محمود أحمدي نجاد، لكنه حتى في هذه أقلع عن المحاولة. ومن بعد اغتيال قاسم سليماني مضى هذا النظام أكثر في معادلة تجديد سطوته دون أن رغبة تحتسب على تجديد شبابه.



