
الضفة وغزّة… انتخابات بلدية بلا منافسة
داود كتاب
حرير- يشهد يوم 25 إبريل/ نيسان الحالي انتخابات المجالس البلدية في الضفة الغربية ومدينة دير البلح في قطاع غزّة، وهي الخامسة منذ إنشاء اللجنة المركزية للانتخابات الفلسطينية (أُسِّست عام 1993). قبل تشكيل الحكومات الفلسطينية، كانت الانتخابات البلدية فرصاً نادرةً لقياس الرأي العام، وكان رؤساء البلديات والمجالس المنتخبون يعبّرون عن التطلّعات السياسية للشعب الفلسطيني إلى الحرّية وتقرير المصير، إلا أنّ الدور السياسي للانتخابات البلدية تراجع، وتحوّلت هذه الانتخابات إلى تقديم الخدمات الأساسية فحسب. ويستمرّ تهميش الجانب السياسي، إذ أُضيف إليه رغبة القيادة الفلسطينية في السعي إلى تجنّب الانتخابات التنافسية في المدن الكبرى، على الرغم من أنّ هذه الانتخابات لن تشمل أنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) المغيَّبة بسبب شروط المشاركة. وتخشى القيادة أن تُعتبر القوائم المتنافسة استفتاءً ضدّ الرئيس محمود عبّاس، حتى إن كانت في الغالب من أنصار حركة فتح.
في غزّة، دير البلح المدينة الوحيدة المتوقّع أن تُجرى فيها انتخابات، حيث تتنافس فيها أربع قوائم، عائلية إلى حدّ بعيد، ستضمّ مرشّحين مقرّبين من فصائل معروفة، لكنّهم ليسوا أعضاءً فيها. وبالتأكيد، لن يشارك أيّ عنصر من “حماس”. لذلك لا تعكس الانتخابات المقبلة اتجاه الرأي العام بشكل واضح، ولن تشهد مدن رئيسة مثل نابلس ورام الله منافسةً، إذ توجد فيها، وفي مدن أخرى، قائمة واحدة فقط من دون منافس. يقول المقرّبون من الرئيس عبّاس إنّ هذا يعود إلى الرغبة في تجنّب منافسة غير ضرورية في حالة عدم الاستقرار السياسي. ويبدو أنّ تردّد القيادة في رام الله في توفير فرص لإجراء انتخابات قد يكشف عن ضعفها وشعبيتها. وفي بعض المناطق، شكا قادة قوائم معارِضة محتملة من وجود سياسة ترغيب وترهيب (أو ما يطلق عليه العصا والجزرة) في محاولة لإعاقة المنافسة، ما أفضى إلى وجود قوائم بلا منافسة في بعض المناطق الرئيسة. وتبيّن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الهيئة المركزية للانتخابات أنّ 42 بلدية في الضفة أُدرجت فيها قائمة واحدة من المرشّحين من دون منافسة. ويُذكر أنّ رئيس بلدية نابلس المقبلة سيكون امرأة تُدعى عنان الأثير، وهي نائبة محافظ نابلس السابقة. أمّا رئيس بلدية رام الله فسيكون رجل الأعمال يعقوب سعادة.
يحقّ لأكثر من مليون فلسطيني التصويت في نظام انتخابي قائم على التمثيل النسبي في القوائم المفتوحة. سيُطلب من الناخبين اختيار قائمة انتخابية واحدة وخمسة مرشّحين. يجب أن تشمل جميع القوائم 32% من المرشّحات. وتقدّمت 367 قائمةً انتخابيةً تضمّ 4475 مرشّحاً. سُجّلت أسماء 2817 مرشّحاً، وستُجرى انتخابات 90 مجلساً بلدياً في 25 إبريل 2026، بينما لن تُجرى انتخابات في بقية المجالس لعدم وجود قوائم منافسة.
غالباً، ما ينتمي المرشّحون إلى ممثّلي العائلات والعشائر أو إلى حركة فتح. كما يُفرض على جميع المرشَّحين توقيع وثيقةٍ للالتزام بالاتفاقات الدولية التي وقّعتها الحكومة الفلسطينية، وهو شرط أدّى إلى استبعاد حركتي حماس والجهاد الإسلامي. ورأت الفصائل اليسارية في منظّمة التحرير أنّ هذا الشرط يقوّض سيادة الفلسطينيين واستقلالهم، فاختارت عدم المشاركة.
ستشكّل النساء نحو ثلث أعضاء المجالس المنتخَبة، وتترشَّح ثماني نساء لرئاسة القوائم الانتخابية. كما ستُراعى مصالح الفلسطينيين المسيحيّين في بعض المدن والبلدات. وبموجب مرسوم رئاسي صدر عام 2017، يجب أن تكون للمدن الفلسطينية، ذات الأغلبية المسيحية تاريخياً، أغلبية مسيحية في أيّ مجلس بلدي. ففي بيت لحم ورام الله، حيث تتنافس أربع قوائم، حُدّدت النسبة رسمياً بثمانية مسيحيين مقابل سبعة مسلمين. وفي بيت ساحور وبيت جالا، يجب أن تكون نسبة أعضاء المجلس عشرة مسيحيين وثلاثة مسلمين، بغضّ النظر عن عدد السكّان المسيحيين في المدينتَين حالياً.
وبينما تُجرى الانتخابات البلدية وفق دورتها المعتادة (كلّ أربع سنوات)، من المتوقّع أن يشهد عام 2026 عدّة انتخابات أخرى سيكون لها تأثير سياسي كبير، وهي جزء من خطّة إصلاح شاملة تعهّد بها الرئيس محمود عبّاس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ ايلول الماضي. وإضافة إلى الانتخابات البلدية المقرّر إجراؤها في جميع مدن الضفة الغربية وقراها، إلى جانب دير البلح في غزّة، سيُنشّط المجلس الوطني الفلسطيني في خريف 2026. ولا يعني هذا بالضرورة انتخاب جميع أعضاء ما يعتبر “برلمان فلسطين”. وينصّ تعهّد الرئيس عبّاس على إجراء انتخابات لاختيار مندوبين للمجلس الوطني الفلسطيني، وعددهم 350 مندوباً (أقلّ بكثير من العدد السابق الذي تجاوز 500)، حيثما أمكن. من المتوقّع أن يكون ثلث مندوبي المجلس الوطني من نواب المجلس التشريعي الذي كانت المحكمة العليا المستقلة قد أعلنت في 2018 حلّه، ولم يُعلن موعدٌ أو قرارٌ بشأن الانتخابات التشريعية.
وكان عبّاس قد أعلن أنّ الانتخابات التشريعية ستُجرى بعد عام من وقف إطلاق النار في غزّة، لكن قد تتأخّر بسبب الوضع غير المستقرّ في غزّة والضفة الغربية، ومسألة مشاركة سكّان القدس الشرقية بالتصويت في ستّة مكاتب بريد وفقاً لاتفاقات أوسلو. وعلى الرغم من أنّ الانتخابات البلدية المقبلة لن تعكس توجّهاً واضحاً للرأي العام، سيُعقد حدثٌ مهمٌّ، وهو مؤتمر فتح الثامن (14 مايو/ أيار). وعلى الرغم من أنّ الفصيل الرئيس في منظّمة التحرير يفترض أن يعقد مؤتمره كلّ أربع سنوات، عُقد مؤتمر “فتح” السابع قبل عشر سنوات في رام الله. يبقى أن نرى ما إذا كان المؤتمر المقبل سيعزّز موقف عبّاس ونائبه حسين الشيخ، أو أنّ زعيم فتح المسجون مروان البرغوثي وأنصاره يبرزون فصيلاً قوياً داخل الحركة الحاكمة.
على الرغم من أنّ الانتخابات البلدية الحالية لن تعكس موقف الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، إلا أنّها ستطرح أسئلةً مهمّةً عن مدى تمثيل الجمهور وقدرة النظام السياسي على إدارة التوازن بين التمثيل السياسي وتقديم الخدمات، كما تضع مسألة إعادة تفعيل المجلس الوطني على طاولة النقاش جزءاً من مسار إصلاحي أوسع، يتزامن مع تحدّيات غزّة والضفة الغربية، ولكن مع استمرار غياب توافق وطني كامل، يبقى القرار النهائي بيد الشعب في متابعة التطوّرات، وتقييم النتائج، وتحديد المسار السياسي المستقبلي.



