
حتى لا تتكرر أخطاء “الضمان”
سلامة الدرعاوي
حرير- أغلب عمليات التعديل التشريعي على قانون الضمان في السنوات السابقة كانت تتركز بشكل واضح على نقطة واحدة، وهي التقاعد المبكر، وسرعان ما يتم التشدد فيه ووضع معايير جديدة له، ليتضح بعد سنين قليلة، ومع أول ظهور لنتائج الدراسة الإكتوارية، بأن المشكلة ذاتها عادت إلى نقطة الصفر، وأن التقاعد المبكر، مع كل ما تم تعديله، ما زال يستنزف الضمان، ويستحوذ متقاعدوه على أكثر من 65 % تقريبًا من إجمالي المتقاعدين.
فلماذا إذن لم يتحقق الإصلاح المنشود في قانون الضمان بعد كل هذه التعديلات، رغم تكرار بنودها أكثر من مرة فيما يتعلق بالتقاعد المبكر؟
في الحقيقة، إن مشكلة التقاعد المبكر هي معضلة ثانوية وليست أساسية كما يعتقد البعض، لأن مشاكل الضمان في الأردن هي مشاكل هيكلية جوهرية في قانون الضمان ذاته، وفي كيفية إدارة العملية التنفيذية لهذا القانون الإستراتيجي ضمن منظومة الأمن الاجتماعي والاقتصادي في المملكة.
للأسف، كل المعالجات السابقة في قانون الضمان اتسمت بالسطحية وشراء الوقت لا أكثر، دون أن تكون هناك معالجات جراحية عميقة لهيكل الضمان باتجاه تصحيح جذري له، وعلى ما يبدو ما زال هذا النهج يسيطر على الحوار الجاري اليوم حول مشروع قانون الضمان، مما ينذر بعودة المشاكل ذاتها بعد سنوات قليلة.
لا يمكن أن يكون هناك إصلاح حقيقي للضمان دون معالجة جذرية وحقيقية لمسألة التهرب التأميني، الذي يشكل حجمه أمرًا مذهلًا، مما يتطلب تحركًا فعليًا وحاسمًا للحد من هذه الظاهرة التي تضعف خاصرة الضمان.
التقديرات تشير إلى أن أكثر من 24 % متهربون من سجلات الضمان، أغلبيتهم في القطاع الخاص، وهذا أمر خطير يشابه إلى حد كبير ما كانت عليه الضريبة ومتهربوها قبل عام 2019، لذلك لا بد أن تتحرك الحكومة بسرعة وحزم لضبط سلوكيات هذا الملف وتحقيق التأمين الاجتماعي على كل المنشآت الاقتصادية، مما يتطلب إدارة حاسمة وإجراءات قوية لضبط حالات الانفلات الحاصلة في المشهد الراهن.
النقطة الأخرى، والتي لا تقل أهمية عن السابقة، هي مسألة توسيع قاعدة الشمول في مظلة الضمان الاجتماعي. هذا أمر لم يعد خافيًا على أحد، رغم إلزامية الضمان لكافة المنشآت، حتى لو كان فيها عامل واحد، فهناك آلاف، بل مئات الآلاف من العاملين في قطاعات متنوعة لا يملكون ضمانًا، وغير مسجلين أساسًا فيه، فهناك أكثر من مليوني عامل في القطاع الخاص، ناهيك عن نحو نصف هذا العدد تقريبًا من الوافدين من مختلف الجنسيات، مما يتطلب وضع قواعد محكمة لشمولهم بالضمان، الذي يُعد حقًا أصيلًا لكل عامل على أراضي المملكة بغض النظر عن جنسيته.
أقولها بصراحة: دون معالجات جذرية لموضوعي التهرب التأميني وتوسيع قاعدة الشمول، ومن ثم معالجة هيكل التقاعد المبكر والشيخوخة بعد ذلك، فإننا سندور في حلقة مفرغة، وسنعود بعد أعوام قليلة لنكرر ذات الحجج في قانون الضمان.
ونحن بأمسّ الحاجة إلى إغلاق طويل المدى لهذا الملف، وهذا لا يكون إلا من خلال إرادة إصلاحية قوية وحازمة تقود إلى معالجة جذرية، لا تخديرية، للضمان.



