
استهداف إيران لإخضاع المنطقة العربية
لميس أندوني
حرير- نحن طرف في الصراع بين واشنطن وطهران، أو هكذا تريد أميركا، سواء صارت ضربة عسكرية أميركية أو إخضاع طهران لمطالب واشنطن عبر التهديد وتشديد الحصار، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يتوقع أو إنه لا يتوقع، بل يأمر، باصطفاف أوروبي إقليمي عربي كامل إلى جانبه. ومهما كانت النتيجة، ستترك العرب، دولاً وشعوباً، لتداعيات التوتر أو الانفجار، وفقاً للخيار الذي تراه لمصلحتها، فالهدف ليس إيران فحسب، بل إخضاع المنطقة العربية كلها.
المخيف في هذا الاصطفاف المطلوب أنه لن يكون هناك مساحة للحديث عن نظام الفصل العنصري الاستيطاني الإسرائيلي المتمدّد في الضفة الغربية، ولا لحقوق أهل غزّة في ظل ما يسمى مجلس “سلام”، وهو تثبيت للاحتلال الإسرائيلي وتحويل القطاع المنكوب إلى مشروع استثماري لثلة ترامب من تجّار العقارات.
لن يكون هناك متسع للدول العربية والأنظمة الحليفة لأميركا للحديث عن مصالحها، وعن أمنها، لأن أميركا تريد أن تنهي إيران قوة إقليمية، بالحصار أو الحرب، وسواء أصبح النظام مهلهلاً أم جرى تغييره، إذ تنظر أميركا إلى المنطقة قاعدة عسكرية تأتمر بأمرها، أقامت قواعد فيها أم لا، فغير مسموح ظهور أي دولة رادعة لإسرائيل؛ لذا من الضروري تفكيك البرنامج الإيراني، أو دولة متقدمة صناعياً أو تكنولوجياً، إلا تحت سيطرتها وإدارتها، سواء في إيران أو العالم العربي، إذ لا يؤمن ترامب بأنصاف الحلول، وتهميش إيران، قوة ودولة، يبعث رسالة أنه غير مسموح للدول أن تهتم بمصالحها الأمنية أو السيادية، فتبعية الأنظمة لأميركا لم يعد يكفي، وستسعى واشنطن إلى تضييق هامش المناورة الذي يتيح للأنظمة بالتظاهر على الأقل بأنها ذات سيادة، ولذا يجب تهميش إيران أوّلاً.
من يتابع السياسة الأميركية يعرف أن واشنطن لا تغفر، وعادة ما تعيد “تأهيل” الدول التي قد تتمادى من وجهة نظرها، من خلال عقوبات مرئية وغير مرئية، فحين رفض الملك حسين دخول التحالف الأميركي ضد العراق عام 1991، وجد نفسه عرضة لحملات إعلامية، وتُهم تعرف أميركا أنها غير صحيحة، وحتى حاولت الإدارة الأميركية إهانته بالإعلام. وحين سألت، وكنت أعمل مراسلة في واشنطن، مسؤولاً في الخارجية الأميركية عن سبب ما تسربه الإدارة من ادعاءات غير صحيحة عن الملك إلى وسائل الإعلام في حينها، أجابني، بكل صراحة، بأن الملك “خرج عما تريده أميركا منه ويجب إعادة تأهيله”.
صحيح أن مشكلات أميركا مع إيران منذ الثورة الإيرانية في 1979، لكن طوفان الأقصى كان نقطة فارقة استدعت تعجيل عملية تهميش إيران، ومن ثم إعادة تأهيل المنطقة. ووفقاً للحسابات الأميركية، استمرار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل وتجنب مواجهتها منذ بدء حرب الإبادة لم تشفع لها عند ترامب، فالامبراطور المتغطرس لا يجد هذا كافياً؛ فما صدر من تصريحات رسمية عربية تدين إسرائيل، ومشاركة دول عربية شهوداً في محكمة العدل الدولية في جلساتها لإثبات ضلوع إسرائيل في حرب إبادة ضد الفلسطينيين، ونشاطها في الأمم المتحدة كلها، كانت غير مقبولة؛ ولذلك لوحظ أن وتيرة التصريحات والتحركات خفّت، باستثاء مؤتمر نيويورك لإعلان الدولة الفلسطينية في يوليو/ تموز الماضي، فإدارة ترامب مارست ضغوطاً على حلفائها في المنطقة، لوقف الإدانات، ولو لفظية. صحيحٌ أن خفض حدّة الإدانات ضد إسرائيل لم تتبلور إلى تغيير في السياسات، لكن المنطق الأميركي الرسمي يرى التصريحات في دائرة توسيع العزل الدولي لإسرائيل وتحريض الشعوب مرفوضة.
عودة إلى الصراع الإسرائيلي الأميركي مع طهران، يجب أن لا نقلّل من الغضب الإسرائيلي على “تحريك” إيران حزب الله والحوثيين ودعم حركة حماس في المعركة مع إسرائيل؛ فمن منظورنا، نحن نحس بالخذلان، لأن “وحدة الساحات” لم تتحقق. لكن الدور الذي لعبه حزب الله على وجه الخصوص وبعد ذلك الحوثيون، أثار مخاوف تل أبيب وواشنطن. ولذا كانت تفجيرات “البيجرز” في لبنان واغتيال قيادات حزب الله وقيادات من “حماس”، وكلها مؤشرات أنّ لا أميركا ولا إسرائيل مستعدة أن تتساهل مع هذه التنظيمات وطهران. ففي كل تاريخ الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، لم تصل الأمور إلى المواجهة المباشرة. لكن “طوفان الأقصى” غيّر هذا؛ إذ وجهت إيران حزب الله والحوثيين إلى قصف إسرائيل ومساندة “حماس” في معركتها معها.
لكن الرؤية الأميركية لا تتوافق مع تقييمنا دور حزب الله، الذي اعتبره كثيرون منا أنه كان محدوداً وأقل كثيراً من المتوقع والمأمول، فيما تراه واشنطن من خلال حسابات التبعات على الرأي العام العربي، وتحشيده مع فكرة مقاومة إسرائيل، فكان واضحاً أن “طوفان الأقصى” استدعى تقييماً جديداً في واشنطن، واستدعى تحرّكاً بدأ بضربات إسرائيلية وأميركية ضد إيران، وتريد الإدارة حالياً أن تكمل مهمتها في إخضاع إيران وسلب أنظمة المنطقة العربية من أي هامش للتحرّك والاعتراض.
لا بد من التأكيد هنا أن التداعيات الخطيرة للانفجار بين واشنطن وطهران، بما يهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة، لا يلغي أو يقلل من أهمية مظلومية الشعب الإيراني، فجزء كبير مما يواجهه النظام في طهران لم يأت نتيجة للحصار الأميركي، أو لدوره في دعم حركة حماس وحزب الله، بل في إهمال حقوق الشعب الإيراني، فالتدخل الإسرائيلي، وأعتقد أن هناك تدخلاً إسرائيلياً استخبارياً في تنظيم نشاطات واحتجاجات أو على الأقل خرق هذه الاحتجاجات، لا يبطل مشروعية المظاهرات ورفض الإيرانيين استمرار سياسات القمع وكبت الحريات، ولا الفساد الاقتصادي الذي فاقم من أثر العقوبات الأميركية على الإيرانيين. والحقيقة أن لا أميركا ولا الدول الغربية مهتمة بوضع الشعب الإيراني، وأن أي مواجهة أميركية إيرانية لا علاقة لها بدعم حقوق الشعب الإيراني، بل قد تدفع أوضاعه إلى مزيد من التدهور.
أولوية واشنطن التهيئة لإسرائيل وأن تجعل من العرب وإيران منطقة نفوذ لها، وأن تضمن منع الصين من مد نفوذها وتقويته في إيران ومنطقتنا الثرية بالنفط والغاز، وبموقع استراتيجي لمد السكك الحديدية والممرّات البرية والبحرية بين أوروبا وآسيا تتطلب إزالة أي عوائق قد تتحدّى سطوة إسرائيل وتتطلب تطبيعاً عربياً، وإيرانياً، كاملين مع إسرائيل.
من هنا تأتي أهمية الدفع الأميركي المتجدد للدول العربية للانضمام إلى المعاهدات الإبراهيمية، التي وقعت بين إسرائيل والإمارات ودول عربية أخرى عام 2020، فهي ليست معاهدة تطبيعية فحسب، بل تعني وتشترط عمليّاً عدم تحدٍّ، ولو بالكلمة، حق إسرائيل الكامل على أرض فلسطين التاريخية، وإنكار الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، أي تصفية القضية الفلسطينية.
المحزن أنّ لا قولَ لنا في المواجهة بين أميركا وإيران سوى الاصطفاف، ومع أن من الواضح أن السعودية والإمارات كذلك قد لا تسمحان باستخدام أراضيهما أو بمرور الصواريخ الأميركية من فوقهما، تحسّباً للانتقام الإيراني. لكن ذلك كله يجب أن لا يسلبنا، نحن الكتاب والنشطاء وحتى الشعب، إرادتنا. نعرف أن الحل والمدخل إلى بناء موقف عربي قوي يبدأ بإطلاق الحريات، والاعتراف بحقوق المواطنة المتساوية في العالم العربي، لكن لن يحدث ذلك باستمرار الصمت والخنوع.



