
غصات عام مضى بوجه عام جديد: حروب غير مقدسة
جواد بولس
حرير- سألت أحد أصدقائي مع بداية العام الجديد “ما شعورك، هل يمكن أن يكون هذا العام أقل سوءا من العام الفائت؟” فأجابني بالنفي، وبأنه يعتقد أننا سنشهد مزيدا من الحروب ومزيدا من الخيانات.
لم يتفاجأ أحد من الحاضرين بالجواب، فهذا ما يستشعره كل فلسطيني، وما نلمسه، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، مما يبثه الإعلام الإسرائيلي يوميا من أخبار، وهو بمعظمه يعمل كأبواق في خدمة سياسة الحكومة، تؤكد أن حكومة نتنياهو وجيشها يعدّون مخططاتهم لاستئناف الحرب على غزة، ولضرب الجنوب اللبناني بحجة القضاء النهائي على ما تبقى من قدرات حزب الله العسكرية. أما بخصوص المواجهة مع إيران فالإعلام الإسرائيلي منشغل ببث دعايته المجنّدة في سبيل إسقاط النظام الإيراني.
تمرّ معظم الدول العربية بظروف معقدة وصعبة؛ وكل الشواهد التي أمامنا تدل على أن المنطقة تعيش حقبة مضطربة وتصعيدات قد تفضي إلى ترسيم خريطة جغرافية جديدة للشرق الأوسط، وإلى تشكيلات أحلاف سياسية لم تشهدها المنطقة من قبل.
في هذا الواقع المقلق، أصبح مصير القضية الفلسطينية مرهونا بمعطيات ما زالت قيد الولادة، أو هي إرهاصات لأحداث كبيرة تتوالد، وتداعيات لا نعرف نهاياتها ولا إلامَ ستؤول. وصار حق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم، ضمن دولة مستقلة، مهدّدا، ولا يحميه نظام دولي عالمي متعارف عليه منذ عقود، يواجه هو بذاته تحدّيات وجودية من قبل إدارة الرئيس ترامب وحلفائها. مضت السنة المنصرمة لكن مآسيها وحروبها لم تنته. أرباب الحروب يعدّون جيوشهم للمعارك المقبلة، ويمهّدون لها بنشر ذرائعها الكاذبة وشائعاتهم الخبيثة القاتلة، وفلسطين هي أول هذه الساحات المتآمر عليها. كل الدلائل تشير إلى أن الفلسطينيين لن يسلَموا مما أعدّ لهم من مصائد، وكما سقطوا فيها في الماضي، فسيسقطون فيها مرة أخرى “زرافات ووحدانا”؛ وكما انتهت السنة الفائتة هكذا بدأت السنة الحالية. يربط بعض المعقبين والمحللين بين ما يحصل في منطقتنا، والعملية التي نفذتها حماس في السابع من أكتوبر 2023. يعتقد قادة حماس أن السابع من اكتوبر كان تحولا تاريخيا وعملية محسوبة، رغم اعتراف بعضهم الضمني بأن الكلفة الإنسانية والعسكرية، التي أعقبت العملية فاقت جميع التوقعات؛ ويعتبرون أن العملية، أعادت قضية فلسطين إلى صدارة الهمّ العالمي بعد سنين من التهميش، وأنها فرضت معادلات ردع جديدة. ورغم جميع التداعيات التي حصلت، تطالب حماس الفلسطينيين بالاستعداد لصراع طويل، واعتماد الصبر كموقف استراتيجي، إلى جانب جاهزيتهم لتحمل كلفة المواجهة العالية. لا يوجد داخل فلسطين، ولا خارجها طبعا، إجماع على تقييم حماس لنتائج عمليتها في أكتوبر، ولئن كانت أكثرية الفلسطينيين مؤيدة للعملية ولنتائجها الفورية، سنجد أن تحولا كبيرا قد طرأ على تلك المواقف، خاصة بعد تفاقم حجم الخسائر البشرية والمادية، التي تقر حماس بأنها لم تتوقعها، وأنها لم تحترز منها مسبقا، لتجنيب أهل غزة الموت والتشريد والنزوح. انقضى عام آخر من تاريخ التيه الفلسطيني، وحلّ عام جديد منه؛ وغزة ما زالت تنتظر مجهولها، وأهل الضفة الغربية، ينظرون إليها ويعرفون أنهم ضحايا “معسكرات النزوح” القادمون؛ ينظرون إلى غزة ويخشون ألّا تنفعهم “معادلات الردع الجديدة”، كما لم تنفعهم حكمتا “الردع القديم أو التنسيق العقيم”، فمن أين سيأتيهم الفرج؟
خيانات غير مقدسة
قد تكون ظاهرة انتشار الجواسيس بهذه الأعداد الكثيرة وفي المواقع الحساسة داخل المجتمعات الشرقية، إحدى أوجع الغصات المستفزة التي عانت وستعاني منها شعوب المنطقة المنكوبة، وعلى رأسها فلسطين، في السنة الماضية وقبلها وفي هذه السنة أيضا. يؤثر البعض ألا يتعاطوا مع هذه القضية بشكل علني، “كيلا ينشروا غسيلهم المتسخ أمام الأمم”، خاصة أمام العدو. وينكر البعض الآخر أن يكون انتشار هذه الظاهرة بين الشعوب العربية والمسلمة أكبر من انتشارها بين شعوب أخرى، بينما يحاول بعض أهل العلم التطرق لدوافع من يخونون، ولأسباب تعاطيهم الجاسوسية، من باب الاستقصاء التقريري وحسب. لن أستطيع في هذه العجالة أن أعالج هذه القضية من جميع جوانبها؛ لكنني سأكتفي بإثارتها عساني أحفز أولي الشأن وأصحاب المعرفة بتناولها بشكل معمق، بهدف معالجتها، بعد تحديد مرجعيات تعريفها، وحدود حظرها وسياقاتها. لقد مضى عام تعرّت فيه الخيانات، على أصنافها، كما لم تتعرّ من قبل؛ وعانت فيه شعوب المنطقة وفقدت أعدادا من قادتها بأساليب غير مسبوقة العهد. وإذا كان ما حققته إسرائيل يُعدّ نصرا، كما تدّعي، فقد تحقق لها ذلك لا بسبب تفوقها العسكري والتكنولوجي وحسب؛ بل بتوفّر مساندة أمريكا لها وتعاون، أو “خيانة”، بعض من دول الجوار معها، لقد نجحت بحسم بعض معاركها قبل اندلاعها رسميا، بسبب ما تلقّته من معلومات ثمينة “وقاتلة” قدمتها لها شبكات من العملاء والجواسيس تم تجنيدها خلال السنين الماضية. لقد مكّنت تلك الشبكات إسرائيل من مباغتة أعدائها وتصفية مصادر قوتهم البشرية والعسكرية قبل إعلان ساعة الصفر. إنهم العملاء العرب والمسلمين، الذين كانوا في هذه الحرب، إلى جانب مصادر استخبارات الدول الصديقة، بمثابة “القيمة المضافة” لقوة إسرائيل ولمخزونها المعرفي. لقد شاهدنا سلسلة رهيبة من الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية لصفوف حماس وحزب الله وبعض المواقع الإيرانية؛ فهل كان ذلك نتاجا طبيعيا لتفوق إسرائيل التقني والتنظيمي؟ إنه سؤال استنكاري بالطبع؛ فباعتقادي لا يمكن تفكيك هذه المسألة بأدوات تحقيق أمنية وتقنية، ولا سبرها عن طريق إحالتها لدوافع مادية أو ورطات شخصية وحسب.
إننا نواجه ظاهرة قديمة لا يمكن فهمها إلا بكونها نتاجا لعلاقة مضطربة بين الفرد في هذه المجتمعات والسلطة الحاكمة فيه، وعلى أنها ثمرة فاسدة لهوية ذاك المجتمع “السائلة”، وكخلل في فهم أفراده لجوهر انتمائهم لدول، هي في الأصل فاشلة ولأنظمة حكم مستبدة. من اللافت أن الخطابين السياسي والاعلامي العربيين، يستعملان مصطلح الخيانة بكثافة واضحة؛ بيد أن المشكلة هي افتقار هذا المصطلح إلى تعريف واضح ومرجعية متفق عليها؛ فهل الخيانة خطيئة يجب أن تعرّفها شريعة الأديان؟ واذا قبلنا ذلك، أوَلا يصبح التعريف ساعتها “حالة مطلقة” يتحكم فيها من أوكلوا بتطبيق تلك الشريعة؟ ووفقا لأي فقه سوف يطبقون تلك الأحكام وضد من؟ أم نعتمد مثلا تعريف الخيانة كمخالفة تخضع لأحكام قوانين الدولة الوضعية التي تهدف لرفع الضرر عن “أمن” تلك الدولة، أو تحظر “التخابر” مع جهات تعتبرها مؤسسات تلك الدولة، أجنبية، أو لمنع “تقديم الخدمات لعدوها”. هذه الفوارق ليست شكلية وليست نظرية؛ فعدم الاتفاق على شرعية المحرِّم، وعلى متى يكون الفعل جُرما، وما هي العواقب المترتبة عليه، يفتح المجالات للخلاف وللاختلاف. وقد يصبح الفعل ذاته في دولة ما خيانة وفي ظروف أخرى تخوينا، وفي موقع ثالث فعلا مشروعا، ولو من باب الامتثال لقاعدة “عدو عدو صديقي”.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في حالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر، ليس أن نكتشف جواسيس جددا، بل أن نواصل اكتشافهم بالطريقة نفسها، وبعد هزيمة أخرى مشابهة، أو بسبب عجز هذه المجتمعات عن طرح الأسئلة الصحيحة، وعجزها عن فهم أصول الظاهرة ومراجعتها. في هذه الأيام لم يعد، على ما يبدو، وجود الجاسوس في بعض مجتمعات الشرق استثناء، بل مهنة أو سلوكا عاديا!



