جناية «البشرية التكنولوجية» على إنسانيتها

مالك التريكي

حرير- مثلما كانت نهاية الحرب العالمية الأولى إيذانا بنهاية عصر الإمبراطوريات وبدء صعود عهد القوميات والكيانات القُطْرية وتعميمها على جميع البلدان، بما فيها المستعمرات الطامحة إلى نيل الحق في تقرير المصير، فإن بداية هذا العام تؤذن على ما يبدو بعودة عهد الإمبراطوريات و«دبلوماسية المدافع»، ولو في شكل «بزنسيّ» مفتقر إلى ما كانت تتسم به إمبراطوريات الماضي من المثابرة التاريخية والمرونة الإدارية (الإمبراطوريتان العثمانية والنمساوية-المجرية مثالا). وقد تكون هذه إحدى دلالات الربع الأول من هذا القرن، إن كان له من وجهة أو معنى، علما أن استبانة دلالات عقود، أو أجيال، التاريخ المعاصر أو القريب تبقى من أصعب الأمور، مثلما ذكرنا الأسبوع الماضي عندما استشهدنا بأعمال ريمون آرون وجان فوراستيي وأندري فونتان عن الربع الأخير من القرن العشرين.

ومن مظاهر هذه الصعوبة أنه لم يصدر حتى اليوم، فيما نعلم، كثير من أعمال التأريخ أو التحليل للربع الذي انقضى من هذا القرن، باستثناء الكتاب الذي صدر الشهر الماضي في فرنسا بعنوان «التاريخ الأول للقرن الحادي والعشرين». كتاب جماعي تَعاون في تأليفه مجموعة من صحافيي مجلة «لونوفيل أوبسرفاتور» تحت إشراف زميلهم فرانسوا رينارت الذي سبق له أن أصدر كتبا تأريخية، مثل «ختام قرن» (1994) و«روح العصر الذي أصابني بالزكام» (1997) و«التاريخ الكبير للعالم» (2016) و«هيروشيما: عندما يفسر التاريخُ أحداثَ الساعة الراهنة» (2017) و«التاريخ الكبير للعوالم الجديدة» (2020).

ومنطلق رينارت وزملائه في هذا العمل هو القاعدة المعروفة القائلة بأن «الصحافة هي المسوّدة الأولى للتاريخ». ولهذا فإن كثيرا من الصحافيين المُجيدين هم مؤرخون، لا بمعنى أن «الصحافي هو مؤرخ اللحظة» فحسب، بل أيضا بمعنى أن انكبابه على مراقبة بلاد أو منطقة أو سلسلة أحداث طيلة عقود كفيل بأن يجعله مؤرخا لعهد ما أو عصر ما، تعزيزا للتحقيق والتوثيق التأريخي بالمعاينة (أي الشهادة) الميدانية التي هي مادة «المعاشرة الصحافية» المديدة. ومن أمثلة ذلك أن المرجع في دراسات الحرب الباردة في بلدان اللسان الفرنسي ليس عملا لمؤرخ أكاديمي، وإنما هو ثلاثية صحافي لوموند الراحل أندري فونتان «تاريخ الحرب الباردة: من ثورة أكتوبر إلى حرب كوريا (1917-1950)»، و«من حرب كوريا إلى أزمة التحالفات (1971-1950)»، و«تاريخ الانفراج: فراش واحد لحُلميْن اثنين (1962-1981) «.

ومن الأمثلة الأخرى على أن الصحافة هي المسودة الأولى للتاريخ أن صحافي الواشنطن بوست الراحل تشارلز كروثامر، صاحب مقولة «البرهة الأحادية» التي اشتهر بها عالميا منذ أن أطلقها عام 1990 على العهد الذي توقع أن الولايات المتحدة ستتفرد فيه بالزعامة العالمية (والذي استبان الآن أنه امتد من بدء التسعينيات حتى أواخر العقد الأول من هذا القرن) قد قدم بعض أقوى الإضاءات على عهود من التاريخ المعاصر في كتب مثل «محاولة في فهم دلالات عقد الثمانينيات». أما كتابه «الأهم والمهم»، الذي يجمع مختارات من مقالاته الصحافية من 1985 حتى 2015، فإن قيمته تكمن في أنه مثال عملي على الصحافة إذ تجيد، بل تمتاز، في التأريخ لعهد كامل من السياسة الأمريكية والدولية.

يسرد «التاريخ الأول للقرن الحادي والعشرين» أبرز أحداث هذا الجيل الذي انقضى للتو، مثل هجمات 11 سبتمبر، واحتلال أفغانستان والعراق، والأزمة المالية لعام 2008، وجائحة الكوفيد، والغزو الروسي لأوكرانيا، وصعود ما يسمى بدول البريكس أو الجنوب الشامل، فضلا عن الخَطْب الجَلل المتمثل في انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية والذي لولاه لما كان صعودها الاقتصادي الصاروخي ممكنا. على أن أهم ما يقرره الكتاب أن السرعة الجنونية التي تتزاحم بها الأحداث وتتلاحق الاختراعات قد نسفت كثيرا من الأشياء التي ورثناها من القرن العشرين والتي كنا نظنها ثابتة مستقرة. وهذا بالضبط ما أشعر به شخصيا منذ زمن (وأظن أنني لست الوحيد): إنه شعور الاغتراب. اغتراب ابن عصر بدائي قذف به قذفا في عصر «تقدمي» ناء عنه وغريب عليه فكرا ووجدانا! ذلك أن هذه الأعوام الـ25 بثوراتها التكنولوجية، وخصوصا الموبايل والإنترنت ثم شبكات اللا-تواصل (هذا حتى قبل أن نسمع بالذكاء الاصطناعي) قد أحدثت قطيعة في أنماط الإدراك البشري. قطيعة أنثروبولوجية حقيقية (لا سابق لها منذ اختراع نوتنبرغ للطباعة) بين بشرية ما قبل هذا القرن وبشرية ما بعده. قطيعة أحدثت شرخا في الهوية الآدمية وزلزلت وجدان الإنسان. قطيعة جَنَتْ بها البشرية شر أفعالها التكنولوجية لتصير نهبا مباحا لدوامة اختراعاتها «الفرنكن-شيطانية».

مقالات ذات صلة