
حين يعلن ترامب… ربّما نهاية الحرب!
سهيل كيوان
حرير- حين أعلن ترامب قبل ثلاثة أيام، أن الحرب قد تكون شارفت على الانتهاء، فإنه يمهد بذلك إلى مرحلة وقف القتال والانتقال إلى التفاوض. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحرب ستتوقف، بل كيف ستتوقف، ومن سيخرج منها رابحاً أو أقل خسارة! جاء الرد الإيراني باسم الحرس الثوري أن إيران هي التي تقرر متى تتوقف الحرب، وأن فكرة استسلام إيران هي محض أوهام وأحلام، وردا على تهديد ترامب باغتيال القيادة الجديدة، بأن ينتبه هو لنفسه. مثل هذه اللغة تعكس تأكيداً بأن القرار السيادي في طهران ما زال بيدها، رغم الضربات العسكرية الهائلة.
في إسرائيل هنالك تخوّف من أن يقرر ترامب وقف الحرب، قبل أن تحقق كامل الأهداف التي وضعها نتنياهو، والتي تؤيده فيها أكثرية الشعب الإسرائيلي، وبحماس، خصوصاً أن أمريكا هي الأداة الأساسية في تنفيذها. هدف تغيير النظام الإيراني تراجع كثيراً، لأن الضربات العسكرية الواسعة واغتيال الرمز الديني آية الله علي خامنئي، أدى بالضرورة إلى نتيجة عكسية، فقد تعزز الشعور القومي لدى الشعب الإيراني، من خلال المظاهرات الغاضبة، وفي مثل هذه الظروف يصبح من المستحيل على المعارضة الداخلية أن تتحرك، وأي احتجاج في زمن الحرب يُفسَّر على أنه خيانة أو تواطؤ مع العدو ويفقد شرعيته. في هذا السياق، يبرز السؤال، هل تستطيع إسرائيل الاستمرار في هذه الحرب لوحدها إذا ما قررت الولايات المتحدة إنهاءها؟
التجربة السياسية والعسكرية، خلال العقود الماضية تشير إلى أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية الكبيرة، لا تستطيع خوض حروب طويلة من دون الغطاء الأمريكي الكامل. الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي يشكل عنصراً حاسماً في قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات، سواء من حيث تزويدها بالسلاح، أو من حيث حمايتها سياسياً في المؤسسات الدولية. وقد أظهرت تجارب سابقة، مثل حرب لبنان عام 2006 أو جولات الحرب المتكررة في قطاع غزة وآخرها «طوفان الأقصى»، أن الضغوط الأمريكية لعبت دوراً مهماً في تحديد توقيت وقف العمليات العسكرية. لذلك، إذا قررت واشنطن وقف الحرب، فإن هامش المناورة أمام حكومة بنيامين نتنياهو يصبح محدوداً، وسوف يرضخ لرغبة ترامب، ولن يغامر بما أنجزه حتى الآن بكلفةٍ إسرائيلية قليلة نسبياً، المعلن عنها على الأقل. لذلك فإن تصريح ترامب يمكن فهمه أيضاً، باعتباره رسالة غير مباشرة إلى الحكومة الإسرائيلية بأن المرحلة العسكرية يجب أن تقترب من نهايتها، وأن الوقت قد حان للانتقال إلى صيغة سياسية، من غير تحقيق جميع الأهداف التي أعلنت في بداية الحرب، خصوصا هدف إسقاط النظام. ووقف الحرب هو ما تطالب به دول مجلس التعاون الخليجي وبإلحاح منذ لحظتها الأولى، فهي تتعرّض إلى هجمات إيرانية، وتخشى اتساع رقعة الصراع وتصعيده. فهذه الدول تقع جغرافياً في قلب المنطقة التي تدور فيها المواجهة، وتبقى منشآتها النفطية وموانئها الحيوية عرضة لأي تصعيد عسكري، كما أظهرت هجمات استهدفت منشآت الطاقة في المنطقة. كما أن دولاً مثل الصين وروسيا وتركيا وبقية الدول العربية تدعو أيضاً إلى احتواء الصراع ومنع توسعه. نتنياهو وضع هدفاً، وهو تغيير وجه الشرق الأوسط، من خلال إسقاط النظام الإيراني، الذي سيعني بالضرورة إضعاف أذرعه وحلفائه، في لبنان بشكل خاص، إذ يسبب حزب الله عدم استقرار للاحتلال في جنوب لبنان، منذ انطلاقته عام 1982، بعد اجتياح إسرائيل للبنان وعاصمته. نتنياهو يجد في شخصية ترامب وعلاقته الخاصة به فرصة تاريخية قد لا تعود لتحقيق رؤيته التوسعية التوراتية، التي تتعامل معها إدارة ترامب بأريحية كبيرة، كما صرح بهذا سفير أمريكا في إسرائيل مايك هكابي. وإذا انتهت الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف المعلنة بالكامل، فإن نتنياهو سيحتاج إلى صياغة رواية انتصار تقنع الجمهور بأن ما أنجز في هذه الحرب هو كبير، انتهى بإضعاف إيران عسكريا، وتحطيم الجزء الأكبر من قدراتها العسكرية، ونهاية طموحاتها النووية، حتى لو لم يسقط النظام في طهران. على أمل إسقاطه لاحقاً من خلال الخنق الاقتصادي، وتثوير الشعب والدفع إلى قلاقل عرقية ومذهبية داخل إيران وعلى حدودها، والتي يبدو أنها فشلت.
في المقابل، تواجه القيادة في إيران مأزقاً كبيراً، فالقبول بشروط أمريكية توصف بأنها استسلام غير مشروط ليس وارداً، حتى بثمن حرب استنزاف طويلة، ستضاعف من التضحيات والدمار والخراب، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية، وأي قيادة إيرانية تحتاج إلى الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية. الطرف الأكثر تعرضا للخسارة، رغم أنه ليس الطرف المباشر في هذه الحرب، هو العالم العربي، خصوصاً دول الخليج التي حاولت تفادي هذه الحرب من خلال الدفع إلى التوصل لـ»صفقة» حول مائدة المفاوضات، وكان الطرفان على وشك تحقيق ذلك، وهو ما أذهل نتنياهو، ودفعه إلى تعجيل لقائه بترامب في الحادي عشر من فبراير الماضي، قبل أسبوع من لقاء مقرّر، والضغط عليه من خلال تقديم تقارير استخباراتية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وصواريخ بالستية «تصل إلى أمريكا وأوروبا». فهدف نتنياهو هو تغيير وجه الشرق الأوسط، وليس الحد من قدرات إيران العسكرية فقط. دول الخليج العربي تجد نفسها في قلب الجغرافيا التي تدور فيها المواجهة، لكنها ليست صاحبة القرار فيها. القرار العسكري الأساسي يجري بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بينما تجد الدول العربية نفسها في موقع المتأثر أكثر من المؤثر. في هذه المواجهة أثبتت الولايات المتحدة لحلفائها العرب أنها ترى في أمن إسرائيل أولوية استراتيجية كولاية أمريكية، حتى في الوقت الذي تستضيف فيه دول الخليج قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة هي الأكثر حساسية في العالم لقربها من مصادر الطاقة.
في هذا السياق تكتسب التحركات الدولية أهمية كبيرة، الاتصال الهاتفي الذي جرى بين فلاديمير بوتين وترامب في التاسع من مارس، والذي استمر ساعة، وتناول الحرب على إيران وأزمة الطاقة المحتملة، إضافة إلى حرب أوكرانيا، وربما كان هذا من العوامل التي دفعت ترامب للإعلان « أن الحرب قد تكون شارفت على الانتهاء». أما الصين فقد دعت إلى الوقف الفوري للحرب، وأعربت عن رفضها لفكرة فرض قيادة أو نظام سياسي على الشعب الإيراني من خارجه، وأعربت عن قلقها من عدم الاستقرار في سوق الطاقة العالمي. تصريح ترامب عن قرب انتهاء الحرب هو جزء من عملية تهيئة سياسية لمرحلة جديدة، هدفها البحث عن مخرج من الأزمة يسمح بوقف القتال من دون إعلان هزيمة واضحة لأي طرف. الولايات المتحدة، قد تعلن أنها دمرت قدرات إيران العسكرية وفرضت شروطا غير مسبوقة عليها، وإسرائيل تقول إنها أضعفت خصمها الاستراتيجي لعدة عقود، بينما ستسعى إيران إلى تقديم النتيجة على أنها صمود في مواجهة أقوى تحالف وآلة عسكرية في العالم.
غالبا ما تنتهي الحروب في المكان نفسه الذي بدأت منه، إلى طاولة المفاوضات، لكن الطريق إلى تلك الطاولة قد يكون طويلا ومكلفاً، وقد يدفع ثمنه في كثير من الأحيان أطراف لم تكن هي من قرر بدء الحرب أصلاً. المفارقة الأوضح أن العالم العربي، خصوصاً دول الخليج، تجد نفسها تدفع جزءاً كبيراً من ثمن حرب لم تكن هي التي قررت إشعالها، بل وحاولت وبكل ما تستطيع أن تحول دون اشتعالها.



