حرب العدوان الثنائي بين الشدّ والمدّ

جمال زحالقة

حرير- في ظل التكهنات المتواترة حول موعد انتهاء حرب العدوان الثنائي الإسرائيلي – الأمريكي على إيران، صرّح وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأنه «لا قيود زمنية والحرب مستمرة حتى تحقيق الغايات وحسم المعركة»، يعكس هذا التصريح الرغبة الإسرائيلية بإطالة أمد الحرب قدر المستطاع.

مسؤول إسرائيلي آخر كان أكثر حذرا حين قال: «علينا أن نسعى ليكون عندنا أطول وقت، وأن نعمل كأن ليس معنا وقت»، في إشارة إلى احتمال أن يعلن ترامب فجأة إنهاء الحرب، خاصة أنّه يتعرض لضغوط داخلية وخارجية للإسراع في وقفها. لقد بدأت الحرب بدفع من نتنياهو، الذي عمل عشرات السنين على إقناع الرؤساء الأمريكيين بها، إلى أن جاء ترامب واقتنع، لكن انهاء الحرب هو بيد الرئيس الأمريكي. نتنياهو هو الذي دفشه للحرب وترامب هو الذي يوقفها حين يشاء.

منذ الحرب العالمية الثانية لم تنشب حرب بمثل هذا الاتساع، فقد اكتوت بنيرانها 15 دولة هي إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وقطر وعمان والكويت والبحرين والعراق ولبنان والأردن وأذربيجان وتركيا وقبرص. ويبدو حاليا أن التصعيد هو سيد الموقف، خاصة أن حرب العدوان الثنائي، لم تحقق غاياتها المعلنة، على الرغم من الاغتيالات والقصف الوحشي والدمار الهائل. ويحمل هذا الفشل معه المزيد من الفظائع، لأنه كلما أخفق المعتدون في الوصول إلى مبتغاهم، يلجأون إلى المزيد من العنف والتدمير، ثم يفشلون ويزيدون من البطش والخراب. ومع تكرار الفشل وازدياد تكلفة الحرب، تجد الولايات المتحدة وإسرائيل أمامهما خيارين: إمّا مواصلة الحرب والتصعيد فلربما تتحقق الأهداف، على قاعدة أن ما لا يأتي بالقوة يأتي بالمزيد من القوة، أو إعلان النصر وإنهاء الحرب فورا، على غرار نصيحة السيناتور جورج أيكين عام 1966 في سياق حرب فيتنام بأن «أعلن النصر وانسحب». ويبدو أن نتنياهو يميل إلى الخيار الأول، وترامب بدأ يميل إلى الخيار الثاني للخروج من الحرب.

عند انتهاء الحرب، في أي موعد كان، من المؤكّد أن يعلن كل من نتنياهو وترامب إحراز النصر وحسم المعركة، لكنهما بحاجة إلى التغطية على فشلهما في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، من خلال «صور نصر»، تبدو لهما مقنعة، ويمكن تسويقها للرأي العام في إسرائيل وفي الولايات المتحدة، لتعظيم «شخص القائد» ولعرض مشهد قوة الولايات المتحدة كدولة مهيمنة عالميا، وقدرة إسرائيل ومؤهلاتها لأن تكون دولة مهيمنة في الشرق الأوسط. لكن ومهما فعل ثنائي العدوان من فظائع حربية، فهما لن يستطيعا فرض حالة «الدولة المهيمنة» على المدى البعيد، فمقابل الولايات المتحدة هناك الصين وروسيا، ومقابل إسرائيل هناك قوى إقليمية وازنة هي تركيا ومصر وإيران، بعد ان تتعافى من الدمار.

إحدى وسائل الحسم، التي يجري تداولها أمريكيا، هي احتلال جزيرة خارج، التي تبعد 20 كيلومترا عن الشواطئ الإيرانية في الخليج ومنها يجري شحن حوالي 90% من صادرات النفط الإيراني. وربما كان هذا هو مقصد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت، حين قال، إن هناك إمكانية لعمليات بريّة محدودة. وقد دعا الكاتب الصحافي في «نيويورك تايمز»، بريت ستفينس، إلى احتلال الجزيرة ضمن «رزمة» من الخطوات التصعيدية للإسراع في حسم المعركة. في مقابل الدعوات لغزو الجزيرة والمساومة حولها، لفرض الشروط على القيادة الإيرانية، يحذر الكثيرون من أن مثل هذا الاحتلال لن يكون سهلا ويعرّض القوات الأمريكية للمزيد من المخاطر. في كل الأحوال يبدو أن الولايات المتحدة تقترب من مفترق طرق، إمّا تصعيد كبير، أو السعي لإنهاء الحرب ضمن تفاهمات معيّنة.

التلميحات من الإدارة الأمريكية تذهب في الاتجاهين، فتارة يتحدث ترامب عن قرب انتهاء الحرب، ليقول بعدها عكس ذلك. ثم إن أهداف الحرب تتغيّر باستمرار وتتوالى الإعلانات عن تحقيق إنجازات عسكرية أكثر مما كان متوقّعا، ما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية تمهد الطريق للخروج السلس من الحرب. ويبدو أن ترامب لم يحسم بعد مصير حربه على إيران، فإسرائيل تطالب بالاستمرار وبعض مستشاريه يدعونه لوقف الحرب وعدم الانزلاق إلى «حرب لا تنتهي»، طالما تحدث ضدها، وهاجم من تورط فيها من رؤساء سابقين.

الدراما الكبرى في البيت الأبيض هي بين مستشاري الرئيس، والخشية ـ كما نشرت «وول ستريت جورنال» ـ هي من الثمن الاقتصادي – السياسي للحرب، من ارتفاع أسعار النفط وتأثيره على التضخم في العالم وفي الولايات المتحدة. كما أظهرت الاستطلاعات التي أجراها البيت الأبيض، وليس فقط الإعلام الأمريكي، أن غالبية الأمريكيين تعارض استمرار الحرب، ما يحفّز قسما من مستشاري الرئيس إلى الدفع باتجاه استراتيجية خروج، تُعرض خلالها إنجازات الجيش، كأنها حققت غايات الحرب. كما أن دول الخليج تطالب الرئيس الأمريكي بإنهاء الحرب، التي سببت لها أضرارا، آنية ومستقبلية، تقدر بمئات المليارات من الدولارات.

اقتصاديا، تبقى التكلفة المالية للحرب هامشية مقارنة بحجم الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، لكن تكلفتها في إسرائيل عالية جدا وقد تصبح منهكة للاقتصاد الإسرائيلي، وتشير التقديرات الموثوقة إلى أن تكلفتها أكثر من 32 مليار دولار شهريا، ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي، الذي يبلغ 625 مليار دولار. ويقول خبراء اقتصاديون إسرائيليون، إن المصلحة الاقتصادية تقتضي إنهاء الحرب بسرعة لأن خزانة الدولة لا تتحمل حربا بالكثافة الحالية لأكثر من شهر.

على الرغم من التكلفة الاقتصادية البالغة، وعلى الرغم من تعرضها للضربات الصاروخية، فإن القيادة الأمنية والسياسية في إسرائيل تسعى إلى استغلال الحالة إلى أقصى حد ممكن. ويسود اعتقاد لدى النخب الإسرائيلية أنها «فرصة لن تعود»، وجاءت بعد عشرات السنين من انتظار الانخراط الأمريكي في الحرب ضد إيران. وتتكرر في الرأي العام الإسرائيلي مقولة «حدث بمقاييس توراتية»، وهي عبارة مجازية – بلاغية للدلالة إلى أنه حدث ضخم يغيّر مجرى التاريخ، ويبدّل المصائر، على غرار القصص الملحمية في التوراة. ويذهب الكثيرون إلى أنه يجب استغلال الفرصة حتى النهاية مهما كان الثمن، ويرون أن ما يحدث هذه الأيام سيكون له تأثير لعشرات السنين المقبلة. من هنا فإن إسرائيل ستظل تضغط لمواصلة الحرب ولمنع أي تراخٍ في البيت الأبيض.

وإذا كان تأثير نتنياهو في شن حرب العدوان الثنائي، كبيرا جدا، فإن تأثيره على إنهائها محدود جدّا، ويبقى القرار بيد الرئيس الأمريكي. وقد صرح ترامب هذا الأسبوع أنه لم يتبق ما يمكن قصفه في إيران وأن الحرب ستنتهي قريبا وأن بيده الأمر. في المقابل قال متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني «منذ أمس يحاول ترامب التوصل إلى وقف إطلاق النار. ولو كان العدو منتصرا لما طلب من العالم التوسط للتوصل إلى وقف لإطلاق النار». ويدل هذا الكلام على أن إيران مستعدة لقبول وقف إطلاق النار، إذا طرحته الولايات المتحدة بلا شروط تعجيزية، ولكن نتنياهو سيحاول إقناع ترامب بمنحه المزيد من الوقت لإتمام المهمة. هناك أيضا الجانب الشخصي الحزبي عند نتنياهو، فهو لم يحقق مبتغاه في الشارع الإسرائيلي، ولم تزد الحرب من شعبيته ومن الرصيد الانتخابي لحزبه ولمعسكره، كما أظهرت ثلاثة استطلاعات متتالية هذا الأسبوع. اغتيال المرشد العام علي خامنئي وقيادات إيرانية وازنة، والنجاح في جر الولايات المتحدة لحرب مشتركة لم تزد عدد المقاعد التي يحصل عليها معسكر نتنياهو في الاستطلاعات، على الرغم من أن أكثر من 90% من اليهود في إسرائيل يدعمون الحرب ويؤيدون مواصلتها.

الاعتبارات الانتخابية والشخصية تدفع نتنياهو نحو التصعيد والبحث المحموم عن إنجاز، يسهل حصوله على عفو من رئيس الدولة يلغي محاكمته، وعلى شعبية إضافية تمكّنه من الفوز في الانتخابات. ويبدو أن نتنياهو على يقين بأن الحسم في إيران سيؤدي إلى الحسم في إسرائيل، والحسمان مهمان ومصيريان بالنسبة له. لذا فهو سيقوم بمساع محمومة لمنع وقف الحرب. ترامب يصغي لنتنياهو ولدعوته لمد الحرب، لكنه لا يستطيع تجاهل ضغوط الشد لإيقافها.

مقالات ذات صلة