
ثورة دونالد ترامب على القانون
وسام سعادة
حرير- ما أن تفشّى خبر غزوة كاراكس واختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته والإبحار بهما إلى نيويورك حتى شاعت «بلاغة المنافقين الاستباقيين». هؤلاء، بادروا الى اعتبار أي سؤال عن القانون الدولي ذرّاً للرماد في العيون. ولا يمكن في أقل تقدير أن تتحجج به سوى دول ديمقراطية ليبرالية، متممة شروطها. لنقل مثل الدنمارك. تلك التي يّنتظر في أي لحظة أن تتواجه مع وقائع السطو الترامبي على جزيرة غرينلاند. لعل فرادة دونالد ترامب لا تنحصر في ضربه عرض الحائط بالقانون الدولي، بل في اقترابه أكثر فأكثر من لحظة تهشيم ما سمي «نظرية السلام الديمقراطي»، القائمة على فرضية أن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها بعضاً ولا تسطو على أراضي بعضها البعض ولا تجاهر بالمسعى لتفكيك الواحدة من قبل الأخرى.
ثم أن ترامب إذ يصف مادورو بالديكتاتور، فهذه عنده من باب الهجاء والوصم لا أكثر. لا نية لديه لتبني برامج «تصدير الديمقراطية»، ولو على سبيل الرياء. ثم أنى لمن دفع بأنصاره لاقتحام مبنى الكابيتول حين خسارته الانتخابات الرئاسية، ولجأ الى خطوة بحجم خطف رئيس دولة وفي عقر دارها، من دون إخطار الكونغرس، أن يبالي بموضوعات الديمقراطية.
أما القانون الدولي فلا يشكّل اختطاف مادورو سوى لحظة متقدمة من لحظات تخلّعه. كان الافتراض وقت نهاية الحرب الباردة أن القانون الدولي سيتعزز شأنه بين الأمم أكثر فأكثر بعد أن أطيح بما سمي «التوتاليتارية». لكن هذا القانون تعرّض لاختبارات تحوير وتعطيل وتهشيم مفصلية منذ مطلع الألفية. جرى تطويعه بعد 11 سبتمبر لتجويز منطق الحرب الاستباقية على حركة طالبان، تلك التي عادت فأطبق حكمها على أفغانستان بعد عقدين طاحنين. واجتيح العراق من دون تفويض من الأمم المتحدة. والأدهى جرى التشريع الدولي للأمر الواقع بعد حصوله. وكذلك جرى تحميل القرار الدولي بشأن ليبيا فوق ما يحمل لتسويغ عملية الإطاحة بنظام القذافي بالتدخل الخارجي.
جاء الاعتراف باستقلال كوسوفو عام 2008 ليسوّغ المنطق نفسه عندما اعترفت روسيا باستقلال شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا عام 2014 قبل قبول موسكو طلب ضم القرم الى الاتحاد الروسي. الرفض الغربي لهذا الضم أدى إلى شلّ مزمن ومتواصل لمجلس الأمن. أما القرارات الدولية بشأن القدس والجولان فقد بادر ترامب بنفسه واعتبرها لاغية.
الأخطر كان التعريض بالإطار القانوني الدولي الذي ينظّم العلاقات بين الدول الكبرى فيما يخص الأمن وقواعد الحرب والردع والحدّ من التسلح. من انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الصواريخ المضادة الباليستية عام 2002 – بحجة مواجهة «الدول المارقة»، مع أن المعاهدة مرتبطة بروسيا، ولم يكن النظام البوتيني قد أظهر «مروقه» بعد في حينه – الى اللحظة الراهنة التي نقترب فيها من انتهاء صلاحية معاهدة نيو ستارت، وهي آخر اتفاقية كبرى متبقية للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، مع احتمال عدم التجديد لها اليوم، ما من شأنه اختزال الردع النووي في الاعتبار التكنولوجي فقط، من دون أي إطار معياري، للمرة الأولى منذ عقود طويلة. الطابع البائس للأنظمة المتصادمة مع السياسات الأمريكية – أيا يكن عمق أو جدية أو أفق هذا التصادم – لا يلغي أن التناقض بين الهيمنة الأمريكية وبين اتساق القانون الدولي وفعاليته هو المحدد الأساسي هنا. هذه الهيمنة في حاجة الى تطويع هذا القانون حينا، وكف يده تماما حينا آخر. وهي قادرة، نسبيا، أكثر من أي دولة أخرى، على الأمرين، بالتتابع. هذا، مع انتقال الولايات المتحدة من منظار «فرض الديمقراطية» بالحرب – على صربيا – أو بالغزو – العراق، 2003 – الى منظار «دعم الثورات» – من جيورجيا وأوكرانيا الى الربيع العربي، الى منظار اختطاف مادورو ثم الإملاء على فنزويلا أين يذهب نفطها مع المحاذرة من الوقوع في مغبة وجود مزمن للمارينز فيها، بل وربما تفضيل أن يبقى المادوريون حاكمين في كاراكاس، وزعيمهم قابع في السجن مع مهربي المخدرات في نيويورك.
أساسا، عندما تعلن الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الباردة أنها من يقود العالم، فهل يمكن تحميل وزر تهشيم القانون الدولي ومنظومة الأمم المتحدة لسواها في المقام الأول؟ لكن مرجعية القانون الدولي في العلاقات الدولية فيها نظر أساساَ. بين المدرسة المسماة واقعية وبين المدرسة المسماة مثالية أو ليبرالية. بالنسبة للمدرسة الواقعية، المجال الدولي فوضى لا تنفع في لجمها أي مأسسة وأي معيارية. فعند الواقعيين أن لجم الفوضى ممكن فقط على الصعيد الداخلي لكل دولة، في حين تبقى حال التوحش لا مخرج منها في المفاصلة بين الأمم، إلا من خلال بناء توازنات قوى لفترة قد تطول أو تقصر. المدرسة المثالية تقوم بالعكس. على أن ما نفع على الصعيد الوطني يمكن أن يستلهم منه لإعادة ترتيب البيت العالمي، وأن الدول تتعاون بسهولة أكبر كلما انخفضت تكلفة المعاملات متل التفاوض والمراقبة وضمان تنفيذ الاتفاق. تفترض المدرسة المثالية أو الليبرالية في العلاقات الدولية أن الفوضى الكوكبية لا تعني استحالة التعاون، بل فقط غياب سلطة مركزية. بحيث تصبح كلفة المعاملة هي العائق الأساسي أمام التعاون، لا طبيعة الدول أو نواياها. من منظورها القواعد القانونية توحّد التوقعات وتحدّ من الغموض بشأن ما هو مسموح وما هو محظور. من هنا أهمية القانون الدولي. فحين تعرف الدول مسبقا إطار السلوك المقبول، تقلّ كلفة التقدير والحساب، ويصبح الفعل الدولي أقل عرضة لسوء الظن والتخمين. فالقانون الدولي، من المنظور الليبرالي، لا يُنهي علاقات القوة، بل يُقننها ويجعلها أقل كلفة وأكثر قابلية لإدارة النظام الدولي. أما بالنسبة للمدرسة الواقعية لا يسع القانون الدولي أن يهرب من كونه انعكاسا لعلاقات القوة.
الارتياب العميق إزاء القانون الدولي جزء أساسي من التقليد الجمهوري في أمريكا. إنما الفارق الأساسي بين التقليد الجمهوري وبين اليمين الشعبوي في حالة ترامب هو أن التقليد الجمهوري بقي مهجوساً بتركيب توازن قوى. تحالفات متينة وقواعد دولية قابلة للتوقع. «النيو واقعية» مع كينيث والتز رأت مثلا أن مصلحة أمريكا تقتضي الحفاظ على الثنائية القطبية مع الاتحاد السوفياتي. ترامب في المقابل غير مهتم بما هجس به مورغنثاو وكيسنجر ووالتز: بناء توازنات مزمنة لمصلحة أمريكا. يراهن فقط على الاستثمار الصاخب بحالات اللاتوازن، من موقع القوة، مع الحرص على تفادي الاستنزاف البري لهذه القوة.
يعيدنا هذا في المقابل الى الكيفية التي يختلف بها منظار اليمين الشعبوي عن الخط اليميني المحافظ في القانون الدولي الذي عبّر عنه الفقيه الدستوري الألماني كارل شميت في «نوموس الأرض». قد يتفق الترامبيون مع منظار شميت في الشكوى من كل فكرة تقول بأسبقية القانون على السياسة. فمهمة القانون الدولي عند شميت اللحاق بالسياسة وليس تطويعها له. فليس هناك عنده من عقلانية قانونية مستقلة بذاتها. في المقابل، النوستالجيا التي عبر عنها شميت انشدت إلى زمن الحرب فيه ليس جريمة، والعدو فيها ليس مجرما. تأسف كارل شميت بأن هذا الزمن الجميل انتهى في القرن العشرين. قامت المنظمة الدولية على قاعدة تجريم الحرب من حيث هي حرب، إلا في حالات استثنائية، تنال فيها شرعية دولية، لأجل تطبيق السلام. واختلطت بما يعتبره شميت تراثا انغلو-ساكسونيا، تحل فيه صورة «المجرم» بدل صورة «العدو». في حالة ترامب: بدل تجريم الحرب، انتقلنا الى الرهان على تفاديها والاكتفاء منها بضربات أو عمليات خاطفة. بدل الشرعية الدولية، انتقلنا الى شرعية الميغالومانيا الأمريكية وحدها. لكن جماعة ترامب، بعكس كارل شميت، ليس عندها أي نوستالجيا لزمن كان عدوك هو «عدو». ليس هناك عنده سوى مجرمين يتعقبهم حينا، ويعفو عنهم حيناً آخر. وبهذا فإن التلف يصيب في زمن ترامب مفهوم الإجرام بحد ذاته، وليس فقط مفاهيم القانون الدولي. ثورة دونالد ترامب هي على فكرة القانون نفسه، وليس فقط على القانون الدولي.



