مادورو في عالم الباسكن روبنز

سامح المحاريق

حرير- تبدو حالة الصدمة العالمية تجاه عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على شيء من السذاجة، لأنها تمثل تغييرا في الشكل، أما المضمون فيبدو مستقرا منذ عقود من الزمن، ويمكن أن نعمل على قائمة قصيرة تبدأ من رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في 1953 وتضم جاكوبو آربينز في غواتيمالا 1954، وبياتريس لومومبا في الكونغو 1960، وجواو غولات في البرازيل 1964، وسوكارنو في إندونيسيا 1967، وسلفادور الليندي في تشيلي 1973، وقريبا بعض الشيء جان أريستد في هايتي 2004. هذه قائمة اشتملت تدخلات واضحة وموثقة، تابعها رؤساء أمريكيون متعاقبون للإطاحة بتجارب ديمقراطية في بلدان مختلفة، لأنها قدمت رؤساء يتهددون المصالح الأمريكية.

المختلف في حالة مادورو هو طريقة إخراجها هوليوودية الطابع، المتناسبة مع شخصية الرئيس الأمريكي ومزاجه الشخصي، أو أخلاقه كما تحدث قبل فترة وجيزة ليجعلها هي وحدها التي تقيد سلطاته، لا القانون الدولي ولا غيره.

لا جديد في عملية الرئيس مادورو سوى شكل العملية، أما مضمونها فهو منهج أمريكي لمواجهة الديمقراطية غير المستحبة، التي لا تخدم مصالحها، ومع أن رؤساء غير منتخبين يمكن أن يهددوا فعليا أو دعائيا المصالح الأمريكية، إلا أن الطريقة المفضلة في هذه الحالة هي الاستدراج إلى لحظة تفجير داخلية وممارسة الفرجة على الانهيار الطويل والدامي، وهو ما فعلته في العراق وبعدها سوريا، التي اكتفى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بالحديث عن إجراءات شكلية بالتنسيق مع روسيا، بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في هجوم الغوطة الشرقية 2013، والتراجع عن هجمة عسكرية طرحت على الطاولة لتستمر المأساة السورية لسنوات أخرى. ولكن السؤال الجوهري يمكن أن يدور حول الخطيئة التي ارتكبها مادورو، وسبب التحرك الأمريكي بهذه الطريقة والرسالة المبطنة، فهل يمكن لتجارة المخدرات أن تكون سببا في غزو دولة بهذه الطريقة، ولماذا لم تكن كولومبيا أو المكسيك ـ الأكثر تجارة بالمخدرات ـ هدفا لأعمال أمريكية مماثلة، ويستبعد أيضا أن الشعارات التي أطلقها مادورو ضد الهيمنة الأمريكية مستثمرا التراث الذي تركه وراءه سلفه هوغو تشافيز، هي التي حركت الأمريكيين، فكوبا مستلقية أمامهم لمغامرة مماثلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 1989، ومع ذلك لا يبدو الأمريكيون متضايقون من ذلك، ومن سيضايقه ذلك؟ ترامب يسعى أصلا لتأكيد الهيمنة الأمريكية، والخطاب الذي كان مادورو وغيره يحملونه يؤكد هذه الهيمنة ويقوم بتسويقها بطريقة أفضل من الأمريكيين. الخطيئة الكبرى أتت من خروج فنزويلا عن قنوات حركة المال في العالم، والتجارة في النفط خارج المنظومة المتعارف عليها، والتبادلات التي جرت في الظل مع إيران وروسيا والصين، وهو الأمر الذي لا يتقبله الأمريكيون، الذين يدركون أن الجانب الأساسي في الهيمنة الأمريكية والغاية النهائية منها، هي استمرار العالم في خدمة الأمريكيين، والتمويل المتواصل لرفاهية الحياة الأمريكية، فكثير من الدول ومنها الصين تغذي ذلك من خلال اعتمادها على الدولار الأمريكي في المعاملات، واستثمارها في أدوات الدين الأمريكية، وسطوة الدولار الأمريكي وضرورته في التبادلات التجارية، يمتد كشبكة عنكبوتية، وسطها أرملة وول ستريت السوداء، تتأهب لمعاقبة الخوارج على نظامها ووضعهم خارج العالم الوهمي لاقتصاد المضاربة، لتصبح عرضة للعزلة الاقتصادية وتترك وحيدة لتتدبر أمرها، وهو ما فعلته فنزويلا، التي تدبرت أمرها بطريقة أقرب للمقايضة، التي تعكس نفسها في عمليات مالية غير واضحة ومركبة تجري خارج الشبكة الأمريكية.

الحالة الوبائية التي ضربت العالم في 2019 – 2020 هددت استقرار الاقتصاد الأمريكي، وعمقت أزمة المديونية داخله، وكادت أن تؤدي إلى أزمة مالية عالمية أعمق وأسوأ مما حدث في سنة 2008، خاصة أن الأمريكيين قاموا بطباعة كميات هائلة من الأموال وتوزيعها على المواطنين الجالسين في منازلهم، أثناء فترات الحجر الصحي، وبعد ذلك بدأت إجراءات للحيلولة دون التضخم تمثلت في رفع أسعار الفوائد إلى معدلات مرتفعة، لتستعيد البنوك الأموال في خزائنها، فهي أموال لا تقابلها قيمة حقيقية يمكن من خلالها شراء ما هو متوفر فعليا في السوق الأمريكي، وكان على معظم دول العالم أن ترفع أسعار الفائدة على عملاتها المحلية، وإلا توجهت الاستثمارات المالية لأمريكا التي تدفع نظريا عائدا أعلى، وأدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الديون على الأفراد، والأموال التي أصبحت تتوجه للديون والبنوك، سحبت من الأسواق وأدت إلى الإضرار بأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، لترتفع تكلفة المعيشة في معظم دول العالم. هذه الحالة جعلت العالم كله يشترك في دفع تكلفة قرارات واشنطن بدعم المواطنين الأمريكيين المعطلين عن العمل في فترة الوباء، وكان على الأطفال الجائعين أو من يعانون من سوء التغذية، في مختلف أنحاء العالم أن يضمنوا للطفل الأمريكي الاحتفاظ بخياراته المفضلة من النكهات والإضافات، وهو يقف أمام ثلاجات عرض آيس كريم باسكن روبنز، وأن يحتفظ أهالي تكساس بسياراتهم المفرطة في استهلاك البنزين، وطقوس حفلات الشواء في العطلات. الخطيئة الأساسية كانت الشبكة المالية التي أصبحت فنزويلا جزءا منها، وصممت بنيتها التحتية بطريقة لا تتوافق مع الهيمنة الأمريكية الفعلية والرمزية على التبادلات التجارية في العالم، وحركة الفوائض التي تنتجها، والتي تعتبر حتى عمليات غسيل الأموال التي تجريها عصابات المخدرات، محاولات لإعادة الاندماج فيها من خلال دخولها في أشكال مشروعة بعد طريق طويل من التحايل، أما ما حدث في حالة فنزويلا فيمكن أن يعتبر تسريبا من الأنابيب المحكمة التي تتدفق خلالها حركة الأموال في العالم.

الغاية الأساسية للأمريكيين ليست الديمقراطية، أو حق الشعوب في الحياة الكريمة، فالأمريكيون يترجمون قوتهم العسكرية إلى إجراءات تخدم رفاهيتهم وأنماط استهلاكهم، والسفن الأمريكية التي تجوب البحار من أجل فرض النظام وتأكيد الهيمنة على الأمن وحركة التجارة، تشبه ماكينات الحصاد العملاقة التي تمضي في حقول القمح، بحيث يتحول العالم كله في تصورات ترامب وفريقه، الذي يعرف أن استمراره مرتبط بتحقيقه وعود الرفاهية إلى مزرعة أمريكية، ولكنها ليست سعيدة على أية حال. تتضاءل مع ترامب وأخلاقياته التصورات الأمريكية لفكرة العدالة حتى في جوانبها الشكلية، فهو ببساطة غير معني بما يحدث في العالم، وتعريفه للحياة الأمريكية وما يجب أن يعيشه المواطنون الأمريكيون، بعد تنقيتهم من المهاجرين والملونين، هو الاستمتاع بالمقومات التي توفرها العقارات الترفيهية التي يمتلكها، وأن يتمددوا تحت شمس ميامي في العطلات، وليس مهما كم طفلا سيذهب إلى مدرسته من غير غذاء لائق في بوليفيا، وكم فقيرا ستلتهمهم مناجم الكونغو، فهذه أمور لا تشملها القائمة الأخلاقية الخاصة بسيد البيت الأبيض.

مقالات ذات صلة