
أزمة اقتصادية عالمية مقبلة
محمد عايش
حرير- المؤشرات الاقتصادية كافة تدل على أن ثمة أزمة اقتصادية مقبلة على العالم، وهي أزمة ستتفاقم بكل تأكيد وستكون أكثر عمقاً وخطورة، في حال استمرت الحرب على إيران مدة طويلة، وفي حال استمر إغلاق مضيق هرمز لأسابيع مقبلة.
الأزمة التي تلوح في الأفق ربما تكون على غرار الأزمة الكبيرة التي شهدها العالم في أواخر عام 2008 واستمرت لسنوات لاحقة، أو ربما على غرار الأزمة التي حدثت بفعل إغلاقات كورونا في عام 2020 وما تلاها، وربما تكون مختلفة هذه المرة بسبب أن الظروف اليوم قد تكون أكثر سوءاً من المرات السابقة.
أسعار النفط قفزت إلى الضعف تقريباً خلال أسبوع واحد من الحرب على إيران، حيث كانت تحوم حول 60 إلى 63 دولاراً قبل اندلاع الحرب، فيما استيقظ العالم صباح الاثنين، أي بعد عشرة أيام من الحرب، على زلزال نفطي واقتصادي، حيث تجاوز سعر البرميل مستويات الـ115 دولاراً، وسط مخاوف من أن يواصل الارتفاع إذا استمرت الظروف على حالها. أما الغاز الطبيعي فتضاعف سعره أيضاً خلال الأسبوع الأول للحرب، أي أنه ارتفع بنسبة تجاوزت المئة في المئة، وسط أنباء عن أزمة وشيكة في القارة الأوروبية، التي قطعت سابقاً مشتريات الغاز من روسيا بسبب حرب أوكرانيا، فإذا بها تواجه اليوم أزمة في الإمدادات بسبب الحرب على إيران.
الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، ليس النتيجة الوحيدة للحرب على إيران، وإنما ثمة ارتفاع مرتقب في أسعار المواد الغذائية أيضاً، وسيكون هذا الارتفاع مدفوعاً بأزمة في إمدادات الأسمدة بسبب إغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى ارتفاع قياسي في أسعار «الأسمدة النيتروجينية»، التي تعتمد على الغاز الطبيعي، والتي تُعد أساس الإنتاج الزراعي الحديث، وهذا قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أزمة غذائية تترافق مع الأزمة الاقتصادية العالمية المرتقبة.
وفي حال استمرت الحرب طويلاً، أو توسعت، فإن أسعار الطاقة قد تتجه لمزيد من الارتفاع، أي أن النفط قد يتجاوز مستويات الـ150 دولاراً بكل سهولة، خلال الأيام القادمة، وهذا ما توقعه وزير الطاقة القطري سعد الكعبي في تصريحاته قبل أيام. الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة سوف يؤدي إلى موجة تضخم جديدة ستجتاح العالم، وسوف يخلق أزمة تُسمى «الركود التضخمي»، أي أن الاقتصادات الكبرى في العالم سوف تعاني من التضخم (ارتفاع حاد في الأسعار)، على الرغم من وجود ركود وعدم قدرة على الشراء، وهذه حالة من أسوأ الكوارث الاقتصادية على الإطلاق. وبمعنى آخر، فإن هذه الأزمة ستعني أن العالم سيشهد «جنون أسعار»، في الوقت الذي لا يتوفر فيه المال بين أيدي الناس، بل تتراجع دخولهم ورواتبهم وتتآكل مدخراتهم المالية. ستتفاقم الأزمة أكثر عندما نعلم أن أسعار الفائدة ما زالت مرتفعة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا، أي أن الأداة التي يتم استخدامها لمكافحة التضخم لم تعد متوفرة، وهذا يعني أن الأسعار لن يستطيع أحد أن يكبح جماحها. حيث من المعلوم أن البنوك المركزية تلجأ إلى رفع أسعار الفائدة، عندما يحدث التضخم الطبيعي الناتج عن الانتعاش الاقتصادي وتوفر السيولة النقدية في أيدي الناس، أما في حالات الركود، فالأصل هو خفض أسعار الفائدة من أجل دفع الاقتصاد. وتحدث الأزمة عندما يجتمع الركود والتضخم معاً، كما يبدو أنه سيحصل خلال الأيام والأسابيع والشهور المقبلة.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سوف تدفع بأسعار النفط والغاز وكل أنواع الطاقة الى ارتفاعات غير مسبوقة، وهذا سيؤدي بدوره الى ارتفاع في أسعار السلع الأساسية والمواصلات وحتى الرفاهيات والاجازات كافة، وبموازاة ذلك فثمة أزمة عالمية في إمدادات «الأسمدة النيتروجينية» والتي تدخل في 50% من إنتاج المحاصيل الزراعية بالعالم، وهذا سيؤدي بدوره الى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي إضافة الى انخفاض كمياته في الأسواق. أضف إلى ذلك أن هذه التوترات سوف ترفع من تكاليف الشحن العالمي وأسعار التأمين على السفن والناقلات، بما يؤدي إلى رفع أسعار كل السلع المنقولة بحراً أو براً أو جواً على مستوى العالم.
والخلاصة هي أن هذه المغامرة العسكرية ضد إيران، ربما لم تكن محسوبة حقاً، أو ربما كانت التقديرات في واشنطن وتل أبيب بأنها لن تستمر طويلاً، واليوم مع هذه المؤشرات والبيانات، فإن العالم بأكمله سوف يدفع ثمناً غالياً لما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وسوف يشعر المستهلك النهائي بآثار هذه الحرب قريباً عندما يرى القفزات في الأسعار مع الهبوط في قيمة العملة والقدرة الشرائية.



