حين يُستغلّ الألم لبثّ الفتنة… القرآن ليس موضع الاتهام!

أحمد حسن الزعبي

في أعقاب الجريمة الآثمة التي وقعت في قرية حمود بمحافظة الكرك، نقول بوضوح: إن إدانة الجريمة واجب، ومحاسبة مرتكبيها حق، وحماية المجتمع مسؤولية؛ لكن تحويل جريمة فرد أو جماعة إلى ذريعة للمطالبة بإغلاق دور القرآن الكريم، ليس منطقًا سليمًا ولا عدلًا منصفًا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: أيراد من هذا الطرح معالجة الجريمة، أم استغلال وجع الناس لإثارة الفتنة وزرع الشقاق؟

فلنحتكم إلى العقل والعدل: لو ارتكب مجرم جريمته وهو منتسب إلى جامعة أو مدرسة، أو يعمل في مؤسسة طبية أو هندسية، فهل نطالب بإغلاق الجامعات والمدارس والمستشفيات؟
أم نحاسب الجاني، ونبحث عن الأسباب الحقيقية للجريمة، ونعالج الخلل حيث وُجد؟
فلماذا تُستثنى دور القرآن من هذا الميزان العادل؟
وما الذي بينك وبين القرآن حتى يصبح إغلاق دور تحفيظه حلًّا لجريمة لم تثبت مسؤوليتها على هذه الدور؟

إن القرآن الكريم ليس مصنعًا للعنف، بل هو كتاب هداية ورحمة وعدل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
والإسلام يرفض الظلم والعدوان والغدر وقتل الأبرياء، ولا يجوز شرعًا ولا عقلًا أن يُحمَّل دينٌ كامل أو مؤسسةٌ تعليمية مسؤولية فعلٍ إجرامي لمجرد ادعاء أو شبهة؛ فالمسؤولية تُثبت بالدليل، ولا تُبنى على التعميم.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

ودور القرآن الكريم والمساجد، في رسالتها الصحيحة، منارات للعلم والتربية والإصلاح، وميادين لغرس الرحمة والأمانة والانضباط والانتماء، وهي تحظى برعاية وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، وبدعم قيادتنا الهاشمية التي ترعى رسالة الإسلام الوسطية، وتصون مكانة الدين ودوره في بناء الإنسان وخدمة الوطن.

وإذا وُجد انحراف في أي مؤسسة، فالعلاج يكون بالمراجعة والمحاسبة والإصلاح، لا بهدم المؤسسات النافعة، ولا بمعاقبة الأبرياء، ولا بإثارة الشكوك في كل من يحمل القرآن أو يتعلمه.

أما الأردن، فليس بيئةً سهلةً للفتنة؛ فهذا وطنٌ يعرف أهله قيمة الأمن، وتجمعهم روابط الدين والرحمة والأخوة، ويلتفّون حول قيادتهم الهاشمية، ويعتزون بجيشهم وأجهزتهم الأمنية.
وقد أثبتت التجارب أن قوة الأوطان في وعي شعوبها، وعدالة مؤسساتها، ووحدة صفها، لا في تبادل الاتهامات أو فتح أبواب الفرقة.
إن واجبنا اليوم أن نقف مع أهالي الضحايا، وأن ندين الجريمة بأشد العبارات، وأن نطالب بكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، وأن نرفض كل خطاب يستثمر الدماء لتأجيج الكراهية أو ضرب الثوابت.
فهل نداوي جراح الوطن بالعدل والحكمة، أم نفتح جرحًا جديدًا بالاتهام والتعميم؟

سيبقى الأردن، بإذن الله، أقوى بوعي أبنائه، وتماسك مجتمعه، وحكمة قيادته، ويقظة جيشه وأجهزته الأمنية. ولن تتحول جريمة آثمة إلى سببٍ للطعن في القرآن، أو النيل من مؤسساته، أو تمزيق نسيجنا الوطني.

القرآن يُعلّمنا العدل، والعدل يقتضي محاسبة الجاني لا اتهام البريء، وحماية الوطن تبدأ بإغلاق أبواب الفتنة، لا بإغلاق أبواب القرآن.

مقالات ذات صلة