
جريمة الكرك: ماذا في أدمغة الإرهابيين؟
سامر خير أحمد
حرير- أكثر ما يُربك عند البحث في نفسية الإرهابيين ليس ما وجده الباحثون في رؤوسهم، بل ما لم يجدوه. فقد بحث علماء النفس طويلاً عن اضطراب أو خلل يفسّر كيف يطلق إنسان النار على أناسٍ لا يعرفهم، فلم يعثروا عليه، وانتهى أغلبهم إلى أن معظم من يرتكبون هذه الأفعال أسوياء بالمعايير الطبية. وهي خلاصة في جوهرها أشد إثارة للقلق من أي تشخيص، لأنها تعني أن المسافة بين إنسان عادي وقاتل لا يصنعها المرض. فما هذا الذي حمله المسلحون الذين أطلقوا النار بعد ظهر أول من أمس الجمعة على مشيّعين في كنيسة بلدة حمود في الكرك؟
وصل المسلحون إلى باحة كنيسة الروم الأرثوذكس في البلدة، حين كان الأهالي يستقبلون جثمان سيدة من أبناء المنطقة لتشييعها، وأطلقوا النار على المتجمعين عند المدخل، فقتلوا سبعة أشخاص (صاروا ثمانية تالياً) وأصابوا 34 آخرين، ووصف وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، ما جرى بأنه عمل إرهابي نفذته مجموعة من المتطرّفين أصحاب الفكر التكفيري. ولأن التحقيق لم يكتمل، ليس في وسع أحد أن يدّعي معرفة ما دار في رؤوس هؤلاء المجرمين. لكن ما تراكم من دراسات عن أمثالهم يكفي لرسم الطريق الذي يقطعه الإنسان حتى يصل إلى تلك اللحظة.
تبدأ هذه الطريق عادةً بالإحساس بالضآلة قبل الكراهية. فعالِم النفس الاجتماعي الأميركي، آري كروغلانسكي، الذي قضى سنوات في دراسة المتطرّفين، يرى أن ما يدفع أغلبهم هو “البحث عن الأهمية”، أي حاجة الفرد إلى أن يكون له وزن ومعنى، حين يشعر بأنه مهمَّش أو مهان أو بلا قيمة في أنظار من حوله. هنا تأتي الأيديولوجيا المتطرّفة لتعرض عليه صفقة مغرية، أن يتحول من شاب لا يلتفت إليه أحد إلى “مُجاهد” في معركة كونية بين الحق والباطل، له مكانة في جماعته وأجر في آخرته. ومن هذا الباب، يأتي إحساسه بالنصر. فهو لا يقيس فعلته بما غيّرته في العالم، إذ لا يتغير شيء بموت مشيّعين في جنازة، بل بما منحته له من صورة عن نفسه، فالنصر في ذهنه أنه “فعل”، وأن جماعته سيرونه بطلاً.
لكن الإحساس بالمهانة لا يكفي وحده ليقتل الإنسان جاره. فثمّة حاجز داخلي يمنع أغلب البشر من إيذاء من يشبهونهم، ولا بد من تفكيكه أولاً. وقد وصف عالم النفس الكندي، ألبرت باندورا، الآليات التي يجري بها هذا التفكيك، وسمّاها “التعطيل الأخلاقي”: أن يُسمَّى القتل بأسماء نبيلة، وأن تُلقى المسؤولية على جهة أعلى، أمراً إلهياً كانت أو قائداً أو قضية، وأن يُجرَّد الضحايا من إنسانيتهم فيصيروا فئة لا أشخاصاً. والتكفير هو هذه الآلية الأخيرة بلغة دينية، إذ يُخرج الآخر من دائرة من يستحقون الرحمة قبل أن تصيبه أي رصاصة. وهكذا كان المهاجمون يرون أمامهم “أهدافاً”، حيث كان أي ناظر آخر سيرى جيراناً يودّعون امرأة من بلدتهم. بل إن روايات شهود تقول إنهم عادوا إلى بعض من سقطوا ليُجهزوا عليهم، وهذا سلوك لا يصدر عمّن لا يزال يرى في ضحيته إنساناً مثله.
أما لماذا يوجه هؤلاء غضبهم إلى شركائهم في الأرض، فلأن هؤلاء الشركاء هم الهدف الحقيقي. فالجماعات المتطرّفة تعرف أن قتل سبعة أشخاص لا يغيّر موازين أي صراع، وأن قيمة الضربة في رسالتها، لا في عدد ضحاياها، والرسالة هنا موجهة إلى المجتمع كله: أن العيش المشترك الذي عرفته الكرك قروناً، حيث تتجاور الكنائس والمساجد ويتشارك الناس الأفراح والمآتم، هشّ ويمكن كسره. وهذا يعني أن اختيار جنازة في كنيسة لم يكن مصادفة، فهو يضرب أكثر لحظات الحياة الأردنية اشتراكاً، حين يقف الجار مع جاره في العزاء أياً كان دينه. فضلاً عن أن “العدو القريب” أسهل منالاً من أي عدو بعيد، وأن قتل من يُفترض أنه “منّا” يمنح المتطرف شعوراً بالنقاء، كأنه يطهّر الجماعة من داخلها.
ولا يمضي الفرد في هذا الطريق وحيداً في الغالب، فقد وجد الطبيب النفسي الأميركي مارك سيجمان، حين درس سِيَر مئات المنتمين إلى تنظيمات جهادية، أن أغلبهم انضمّوا عبر أصدقاء وأقارب، لا عبر تجنيد منظم من الأعلى، وأن الجماعة الصغيرة المغلقة هي التي تدفع أفرادها نحو التطرّف، إذ يزايد بعضهم على بعض، ويعزلون أنفسهم عن كل صوت مخالف، حتى يصبح ما كان مستحيلاً فكرة عادية بالنسبة إليهم. وإن صحّت الأخبار الأولى عن التعرّف إلى المنفذين والقبض عليهم، بأنهم من أبناء المحافظة ومن بلدة واحدة، فإنهم لا يخرجون عن هذا النمط.
صحيحٌ أن هذا التفسير لا يبرّر شيئاً، فملايين الناس يشعرون بالمهانة والتهميش ولا يحملون سلاحاً، والقاتل مسؤول عن كل رصاصة أطلقها، إلا أن فهم الطريق التي يسلكها ضروري لتعطيله والوقاية منه. ذلك أن المواجهة الأمنية تلاحق من وصل إلى آخر الطريق، لكنها لا ترى من يقف في أوله، وهؤلاء يتشكلون اليوم في حلقات صغيرة وعلى شاشات الهواتف، قبل أن ينتموا إلى أي تنظيم. لذا، تبدأ الوقاية من أن يجد الشاب المهمَّش معنى لحياته في غير السلاح، وألا يُترك وحيداً مع رواية عن الحياة تقسم الناس إلى مؤمنين يستحقون الحياة وآخرين لا يستحقونها.
وهكذا، ما في أدمغة الإرهابيين ليس جنوناً يتعذّر فهمه، بل قصة ضيقة يكونون فيها أبطالاً، ولا يكون ضحاياهم فيها بشراً. ولهذا كان أبلغ ردٍّ على جريمة الكرك ما كتبه أردنيون كثر تعليقاً عليها: “الكنائس بيوتنا”. فهذه العبارة تفعل عكس ما فعله القتلة بالضبط، إذ تُعيد الضحايا إلى دائرة “نحن”، وتقول إن من سقطوا عند باب الكنيسة أهلُ البلد وجيرانه، لا “فئة” يمكن إلغاؤها.



