هل كانت زيارة شي جين بينغ لمصر «مفتاحًا صينيًا» لأزمات مصر الثلاث: الاقتصاد وسد النهضة والدولار؟

بقلم الكاتب والاذاعي: شريف عبد الوهاب

لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد زيارة دولة عابرة، ولا يمكن اختزالها في مشهد الاستقبال الرسمي والمباحثات والاتفاقيات التي جرى توقيعها. فالزيارة، رغم قصر مدتها، جاءت في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا ودوليًا، وفي ظل تحديات تواجهها مصر اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، وفي مقدمتها أزمة العملة الأجنبية، وارتفاع أعباء الديون، ومسار التعاون مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب ملف سد النهضة الذي يمثل أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن القومي المصري.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل تحمل الشراكة المصرية الصينية مفتاحًا يمكن أن يساعد مصر على التعامل مع هذه الأزمات؟
الإجابة تحتاج إلى قدر من الهدوء؛ فلا الصين تملك عصا سحرية، ولا يمكن لدولة واحدة أن تحل جميع مشكلات دولة أخرى. لكن ما تملكه الصين بالفعل هو القدرة على تقديم نموذج مختلف من التعاون، يقوم على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والبنية الأساسية، وليس فقط على القروض والمساعدات.
الاقتصاد.. من البحث عن الدولار إلى صناعة الدولار
ربما يكون الاقتصاد هو المجال الأكثر وضوحًا الذي يمكن أن تظهر فيه نتائج الشراكة المصرية الصينية.
فأحد التحديات الأساسية أمام الاقتصاد المصري هو توفير العملة الأجنبية. وقد تعاملت مصر خلال السنوات الماضية مع هذه المشكلة من خلال برامج تمويل وإصلاح اقتصادي، وكان صندوق النقد الدولي أحد الأطراف الرئيسية فيها.
لكن القروض، مهما كانت ضرورية في بعض المراحل، لا يمكن أن تكون الحل الدائم.
الحل الأكثر استدامة هو أن تتحول مصر من دولة تبحث باستمرار عن الدولار إلى دولة تنتج وتصدر وتحصل على الدولار من نشاطها الاقتصادي.
وهنا يمكن أن تلعب الصين دورًا مهمًا.
الصين تمتلك خبرة هائلة في إنشاء المناطق الصناعية وسلاسل الإمداد والتصنيع والتصدير. ومصر تمتلك في المقابل موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وقناة السويس، وسوقًا محلية كبيرة، وقربًا من الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.
وإذا نجحت مصر في جذب المزيد من الشركات الصينية لإقامة مصانع حقيقية داخل مصر، وليس مجرد مشروعات تجميع أو بيع، فإن المعادلة يمكن أن تتغير:
استثمار صيني → مصنع مصري → عمالة مصرية → إنتاج محلي → تصدير → عملة أجنبية → تقليل الاستيراد → زيادة الاحتياطي النقدي.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تحظى بأكبر قدر من الاهتمام بعد الزيارة.
فالقضية ليست كم مليار دولار ستدخل مصر، وإنما كم مصنعًا يمكن أن ينتج داخل مصر، وكم مليار دولار يمكن أن توفرها الصادرات المصرية خلال السنوات المقبلة؟
وهل تستطيع الصين أن تحل محل صندوق النقد؟
الإجابة: لا.
صندوق النقد مؤسسة مالية دولية لها طبيعة مختلفة تمامًا عن العلاقة الثنائية بين مصر والصين.
لكن الصين تستطيع أن تساعد مصر بطريقة غير مباشرة على تقليل اعتمادها على التمويل الخارجي.
فكلما زادت الاستثمارات والإنتاج والصادرات، انخفضت الحاجة إلى الاقتراض لتمويل عجز العملة الأجنبية.
وهنا يصبح التعاون مع الصين مكملًا وليس بديلًا لصندوق النقد.
فالبرنامج الاقتصادي الناجح لمصر يحتاج إلى أكثر من مصدر؛ يحتاج إلى إصلاحات مالية ونقدية من ناحية، وإلى استثمارات وإنتاج وصادرات من ناحية أخرى.
ومن الخطأ أن ننظر إلى الصين باعتبارها مجرد جهة يمكن أن تقرض مصر الأموال.
الصين بالنسبة لمصر يمكن أن تكون شريكًا في الإنتاج.
وهذا فارق جوهري.
سد النهضة.. الملف الأكثر حساسية
أما القضية الثانية فهي سد النهضة.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا في قراءة الموقف الصيني.
لا توجد، وفق ما أعلن رسميًا، صفقة صينية مصرية معلنة لحل أزمة سد النهضة، ولا يمكن القول إن الرئيس الصيني جاء إلى القاهرة حاملاً اتفاقًا جاهزًا بين مصر وإثيوبيا.
لكن هناك حقيقة سياسية مهمة: الصين تتمتع بعلاقات قوية مع كل من مصر وإثيوبيا.
وهذا يمنحها مساحة للحركة لا تتوافر لكثير من الأطراف الدولية الأخرى.
إثيوبيا دولة مهمة في السياسة والاقتصاد الصيني في إفريقيا، ومصر دولة محورية بالنسبة للصين بسبب موقعها الجغرافي وقناة السويس وحجم سوقها ومكانتها السياسية في الشرق الأوسط.
ومن ثم، فإن استقرار العلاقات بين مصر وإثيوبيا يصب في مصلحة الصين نفسها.
وهنا يمكن أن يكون الدور الصيني أكثر أهمية إذا انتقل من مجرد العلاقات الثنائية إلى دعم مسار تفاوضي حقيقي بين دول حوض النيل.
الصين ليست طرفًا في أزمة سد النهضة، لكنها تستطيع أن تكون طرفًا مساعدًا في تقريب وجهات النظر، خصوصًا إذا اقتنعت بأن استمرار أزمة المياه يمثل خطرًا على الاستقرار الإقليمي وعلى مصالحها الاقتصادية في إفريقيا.
المفتاح الحقيقي.. تحويل الأزمة إلى شبكة مصالح
قد لا يكون الحل في أن تقول مصر للصين: «ساعدينا في حل سد النهضة».
الأكثر ذكاءً هو أن يصبح للصين مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار المنطقة.
تخيل أن الشركات الصينية توسع استثماراتها في مصر والسودان وإثيوبيا ودول إفريقية أخرى، وتشارك في مشروعات الطاقة والنقل والزراعة والصناعة.
عندها يصبح الاستقرار بين دول المنطقة مصلحة اقتصادية صينية أيضًا.
ومن هنا يمكن أن تتحول الصين تدريجيًا من مجرد مستثمر إلى صاحب مصلحة في الاستقرار الإقليمي.
وهذه نقطة تستحق الدراسة من جانب صانع القرار المصري.
الدولار.. هل يمكن أن يكون التعاون مع الصين جزءًا من الحل؟
أزمة الدولار ليست مجرد أزمة مصرفية، وإنما انعكاس لاختلال بين ما تحصل عليه الدولة من عملة أجنبية وما تحتاج إلى دفعه للخارج.
لذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى زيادة مصادر الدولار.
ومن أهم هذه المصادر:
السياحة، والصادرات، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، وقناة السويس، والخدمات.
والاستثمار الصيني يمكن أن يضيف مصدرًا جديدًا إذا ارتبط بالإنتاج والتصدير.
كما أن توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة بين البلدين يمكن أن يخفف بعض الضغوط على الدولار في العمليات التجارية، لكنه لن يلغي الحاجة إلى الدولار بالكامل.
فالتجارة الدولية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على العملات الرئيسية، وبالتالي فإن التعامل بالعملات المحلية هو أداة مساعدة وليس علاجًا كاملًا.
الرسالة السياسية للزيارة
هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الاقتصاد.
العالم يتغير بسرعة.
الصراع الأمريكي الصيني، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، كلها عوامل تدفع الدول المتوسطة والكبيرة إلى تنويع علاقاتها.
ومصر، بحكم موقعها ودورها، لا تستطيع أن تضع نفسها في معسكر واحد.
ومن مصلحة القاهرة أن تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها مع الصين وروسيا والهند والقوى الآسيوية الصاعدة.
وهذا لا يعني تغيير تحالفات مصر، وإنما يعني توسيع هامش الحركة السياسية والاقتصادية.
والصين تدرك أهمية مصر جيدًا؛ فمصر ليست فقط دولة عربية كبيرة، وإنما هي بوابة إلى إفريقيا والبحر المتوسط والعالم العربي، وقناة السويس تمثل أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
ماذا تريد الصين من مصر؟
السؤال الآخر الذي يجب طرحه هو: إذا كانت الصين تريد التعاون مع مصر، فما الذي تريده في المقابل؟
الإجابة ليست غامضة.
الصين تريد أسواقًا جديدة، وممرات تجارية آمنة، واستثمارات ناجحة، ومواقع إنتاج قريبة من الأسواق الأوروبية والإفريقية والعربية.
ومصر تستطيع أن تقدم كل ذلك.
لكن القاهرة يجب أن تحرص على أن تكون العلاقة متوازنة.
أي أن يكون هناك نقل حقيقي للتكنولوجيا، وتدريب للعمالة المصرية، ونسبة متزايدة من المكون المحلي، وزيادة في الصادرات، وليس مجرد استيراد منتجات صينية للسوق المصرية.
فإذا أصبح المصنع الصيني في مصر مجرد بوابة لبيع المنتج الصيني للمصريين، فلن تكون الفائدة الاقتصادية بالمستوى المطلوب.
أما إذا أصبح المصنع الصيني في مصر مركزًا للتصنيع والتصدير إلى إفريقيا وأوروبا والدول العربية، فهنا تبدأ الشراكة الحقيقية.
وماذا تريد مصر؟
مصر تحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية:
الاستثمار، والتكنولوجيا، والأسواق.
والصين تستطيع أن تقدم الثلاثة.
لكن مصر تحتاج في المقابل إلى تحسين بيئة الاستثمار، وتقليل الإجراءات البيروقراطية، وتوفير الأراضي والطاقة، وضمان استقرار القواعد الاقتصادية، وربط الاستثمارات الجديدة بخطة واضحة للصادرات.
فالاستثمار لا يأتي بالأمنيات، وإنما عندما يجد المستثمر بيئة يستطيع فيها أن ينتج ويحقق أرباحًا ويصدر.
هل الزيارة هي «مفتاح الأزمة»؟
ربما يكون التعبير الأدق أن نقول:
زيارة شي جين بينغ ليست مفتاحًا جاهزًا لحل أزمات مصر، لكنها قد تكون بداية لوضع مفتاح جديد على باب الحل.
الفرق كبير.
الصين لن تحل أزمة الدولار وحدها.
ولن تحل أزمة سد النهضة وحدها.
ولن تلغي دور صندوق النقد.
لكنها تستطيع أن تساعد مصر في بناء قاعدة اقتصادية جديدة تقوم على الإنتاج والتصدير والاستثمار والتكنولوجيا.
وإذا نجحت مصر في استغلال موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية، فقد تتحول من دولة تعاني من نقص العملة الأجنبية إلى مركز إنتاج وتصدير إقليمي.
وعندها لن يكون السؤال: «من سيقرض مصر؟»
بل سيكون:
«من يريد الاستثمار في مصر؟ ومن يريد أن يستخدم مصر بوابة إلى إفريقيا وأوروبا والعالم العربي؟»
وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول الشراكة المصرية الصينية إلى أحد مفاتيح المستقبل.
أما ملف سد النهضة، فالحل سيظل في الأساس سياسيًا وتفاوضيًا، ويحتاج إلى اتفاق عادل وملزم يحفظ حقوق مصر والسودان ويضمن لإثيوبيا حقها في التنمية.
لكن دخول قوة دولية بحجم الصين على خط المصالح الاقتصادية في المنطقة قد يفتح، إذا أُدير بحكمة، مساحات جديدة للحوار والتفاهم.
وفي النهاية، فإن نجاح زيارة الرئيس الصيني لا يجب أن يقاس بعدد الاتفاقيات التي تم توقيعها، ولا بعدد أيام الزيارة.
المعيار الحقيقي هو ما سيحدث بعد الزيارة.
هل ستتحول الاتفاقيات إلى مصانع؟
هل ستتحول الاستثمارات إلى صادرات؟
هل ستنتقل التكنولوجيا إلى العمالة المصرية؟
هل ستزداد قدرة مصر على توفير الدولار من الإنتاج وليس الاقتراض؟
وهل يمكن أن تتطور العلاقة المصرية الصينية إلى دور يساعد على تحقيق الاستقرار في منطقة حوض النيل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن زيارة شي جين بينغ لن تكون مجرد زيارة رئيس إلى دولة صديقة، وإنما يمكن أن تكون محطة مهمة في إعادة صياغة موقع مصر الاقتصادي والاستراتيجي في عالم يتغير بسرعة.
والأهم أن مصر لا تحتاج إلى أن تختار بين الصين وأمريكا أو بين الشرق والغرب.
مصر تحتاج إلى أن تختار مصلحتها الوطنية، وأن تجعل من علاقاتها المتعددة قوة تفاوضية واقتصادية تخدم أمنها القومي ومستقبل أجيالها.
وهنا ربما يكون المفتاح الحقيقي:
ليس أن تبحث مصر عن دولة تنقذها من أزمتها، وإنما أن تستخدم علاقاتها الدولية لبناء اقتصاد قادر على إنقاذ نفسه.

مقالات ذات صلة