دروس في السياسة الخارجية اللبنانية

توفيق شومان

حرير- لعلّ أكثر المصطلحات السياسية الرائجة في الأوساط السياسية والشعبية اللبنانية “الميثاق الوطني” الذي رافق استقلال لبنان عام 1943، ويقوم عموماً على ضمان عدم انزياح كتلة أهلية محلّية نحو فرنسا في مقابل تخلّي كتلة أخرى عن المطالب الوحدوية مع المحيط العربي. ومع العقود التي أعقبت دولة الاستقلال، بات المصطلح المذكور عماداً لا انفكاك منه في صياغة سياسة لبنان الخارجية.

أولى محاولات الخروج عن مضمون الميثاق لاحت ملامحها في نهاية عهد الرئيس كميل شمعون عام 1958، والمتمثّلة في ميوله العامّة والعملية نحو حلف بغداد، فثارت عليها فئات لبنانية واسعة لم تخفِ تأييدها لسياسات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي سنّ سُنّة الاعتراض حينذاك على سياسة المحاور الدولية. وعن تلك المرحلة يتحدّث وزير الخارجية اللبناني الأسبق (1917 – 2016) فؤاد بطرس، في كتابه “المذكّرات”: “كان الشارع يغلي، وكان الاحتقان يزداد حدّةً في كلّ مرّة تتباين فيها سياسة الرئيس كميل شمعون مع سياسة الرئيس جمال عبد الناصر الذي تمكّن في سنوات قليلة من إيقاظ حلم الوحدة لدى الجماهير العربية، وفي خضمّ هذه الأحداث كلّها، كنتُ أشعر بأنّ سياسة الرئيس شمعون القائمة على الانحياز إلى حلف بغداد والتطلّع نحو الولايات المتحدة، تتنافى مع دورنا وتتجاوز طاقتنا، ولقد هزّت أحداث عام 1958 لبنان بشكل جدّي ووضعت مصيره ومصير وحدته على المحكّ”.

والمعنى من هذا الاستحضار التاريخي، المستند إلى رواية أحد أهمّ وزراء الخارجية اللبنانية والمحسوب على الفضاء السياسي للرئيس فؤاد شهاب (1902 – 1973)، أنّ سياسة شمعون المنحازة إلى الغرب فعلت فعلها في خلخلة الواقع السياسي – الأهلي في لبنان، لأنّها نأت عن الميثاق الوطني الذي جعله اللبنانيون قياساً ومعياراً لصياغة سياستهم الخارجية، ونجح فؤاد شهاب في ذلك أيّما نجاح، فشكّلت ولايته الرئاسية (1958 – 1964) عصراً ذهبياً للبنان، مشى في ضوئه، إلى حدّ ما، الرئيس الذي تلاه، شارل حلو، خصوصاً في السنوات الأولى من عهده الممتدّ بين 1964 و1970.

ثمّة وزير آخر سطع نجمه في ستينيّات القرن العشرين، فؤاد عمّون، الذي تولّى الأمانة العامّة للخارجية اللبنانية، ثمّ أدار الوزارة في الحقبة الشهابية. ألقى عمّون محاضرةً في 1959 عن “سياسة لبنان الخارجية”، فاختصر مكوّنات هذه السياسة وأركانها. وممّا قاله إنّ قواعد السياسة الخارجية اللبنانية منبثقة من إرادة شعب موحّد الأماني والأهداف، وهذه القواعد مستمَدّة من توجّهات الأمير فخر الدين المعني (1572 – 1635)، الذي لم يكن يقطع رأياً حتّى يشهد عليه أمراء عصره ممّن كانوا تحت ولايته. ويضيف عمّون أنّ سياسة لبنان الدولية مستقاة من تلك الروح التي شكّلت “أساس الميثاق الوطني الذي كرّسته ثورة اللبنانيين عام 1943 على الحُكم الفرنسي”، ومن تلك الروح أيضاً بحسب عمّون “ثار اللبنانيون عام 1840 ضدّ الأمير بشير الشهابي المتحالف مع إبراهيم باشا، مطالبين بـ(حق الشوفة)، أي المشورة والاطلاع ومراقبة أدوات الحُكم وآلياتها، وهذا ما فعلوه في ربيع 1958 بانتفاضة لم يسبق لها مثيل في شدتها ومداها، لانحراف الحُكّام عن السياسة اللبنانية الصميمة التي انطوت على الجفاء نحو دولة عربية شقيقة (مصر)، وعلى منح دولة غربية كبرى (الولايات المتحدة) مركزاً ممتازاً أباح لها التدخل في شؤوننا الوطنية”.

وبعد هذا السرد التفصيلي، يحدّد فؤاد عمّون (كاد يصل إلى رئاسة الجمهورية خلفاً لفؤاد شهاب) مبادئ السياسة الخارجية اللبنانية، فيرى ضرورة انبثاقها من إرادة الشعب، واستنادها إلى الميثاق الوطني الذي يثبّت الوحدة الداخلية والسياسة الخارجية، وقيامها على أسس الوفاق الوطني. وتلك الأسس نفسها سيتحدّث عنها وزير آخر للخارجية اللبنانية، هو جورج حكيم، في محاضرة ألقاها في شيكاغو عام 1965.

الاستشهادات والاقتباسات، كما يلاحظ، مستمَدّة من المرحلة الشهابية، ما يوجب الاستعانة بشهادة باسم الجسر (1931 – 2022)، أحد أبرز مَن كتب عن فؤاد شهاب. ففي كتابه “ميثاق 1943 لماذا كان وهل سقط؟”، يرد: “عندما استلم الرئيس فؤاد شهاب مقاليد الحُكم بعد أحداث 1958، اختار سياسةً خارجيةً مختلفةً عن التي اتبعها سلفه (كميل شمعون)، وفي خطوطها الكُبرى التزام الميثاق الوطني، ولا أحلاف عسكرية مع الغرب، وتعاون مخلص ووثيق مع الدول العربية. وثمّة مبدأ أساسي آخر، ألا وهو ارتهان السياسة الخارجية بالتوازن الطائفي الداخلي وبمقتضيات الوحدة الوطنية”. وكان يعاون فؤاد شهاب وزيرا خارجية شبه دائمَيْن، هما حسين العويني وفيليب تقلا. وفي خطاب للأخير في مجلس النواب اللبناني، في تاريخ 9 أغسطس/ آب 1962، ورد: “إن تركيب لبنان الداخلي يفرض عليه إيجاد علاقة وثيقة بين أوضاعه الداخلية وسياسته الخارجية، فأسس السياسة الخارجية تنبع من أوضاعه الداخلية، أما طريقة تنفيذ السياسة الخارجية، فيجب أن تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات وحدة الجبهة الداخلية”.

ويستعرض باسم الجسر، في الجزء الثاني من كتاب آخر له بعنوان “فؤاد شهاب ذلك المجهول”، خلاصة لقاء مع الرئيس شهاب يرتقي إلى مصاف البوح الذي يختزن وجعاً، فيروي: “قال لي يوماً: يأخذون عليّ أنني أساير عبد الناصر أكثر من اللزوم. نعم، إني أساير عبد الناصر أكثر مما أساير غيره من الحُكام العرب، لسببين: لم يطلب مني أشياء تتعارض مع مصلحة لبنان واللبنانيين، ولأنني كرئيس للجمهورية من واجبي أن أحترم شعور نصف سكان البلد الذين يحملون في نفوسهم شعور إعجاب أو محبة، بل وتقديس لبطل قومي كعبد الناصر، أوليس من الحكمة والمنطق في أوضاع كهذه، ألا أدقّ بعبد الناصر أو أخاصمه؟”.

وبإنزال هذه الحكمة على الواقع اللبناني الحالي، تهطل الأسئلة سؤالاً وراء سؤال: هل تُعدّ المفاوضات اللبنانية المباشرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي تحوّلاً جذرياً في السياسة الخارجية؟ الإجابة: نعم. وهل يحظى هذا التحوّل بتوافق وطني؟ الإجابة: لا. وهل إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، مثلما جاء في الاتفاق (الإطار)، ينال موافقةً داخليةً؟ الإجابة: لا. هل يُنتِج ذلك شرخاً وطنياً وداخلياً؟ الإجابة: نعم.

السؤال الأخير: أين الميثاق الوطني؟ من يردّ ومن يُجيب؟

مقالات ذات صلة