
إيران واستنزاف عوامل القوة
محمد جميح
حرير- مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وخلال تلك الحرب تعلم النظام الإيراني درسين في غاية الأهمية، ضمن دروس أخرى كثيرة: الأول ضرورة التحول من الحروب المباشرة إلى حروب الوكالة، بعد أن أنهكت قواته في الحرب المباشرة مع العراق، والثاني: ضرورة بناء قوة صاروخية، لأن العراق تمكن عن طريق تفوقه الجوي من فرض شروط معادلة أدت إلى إنهاء الحرب، و»تجرع كأس السم».
أما الدرس الأول فقد أنشأ النظام – على إثره – ميليشيات متعددة لتقوم بحروب الوكالة نيابة عنه، ولتشكل مصدات عسكرية وأمنية، تمنع وصول الحرب إلى الداخل الإيراني، وقد نجح النظام خلال عقود، في توظيف هذه الميليشيات لهذا الغرض، وظلت الحروب والصراعات بعيدة عن الحدود الإيرانية، بفعل الدور المحوري لتلك الميليشيات في خوض حروب الوكالة لصالح إيران.
وأما بالنسبة لبناء القدرات الصاروخية فقد خصصت طهران موازنات كبيرة لبناء البرنامج الصاروخي الذي فرض نوعاً من قوة الردع لمنع استهداف إيران من الخارج، كما أن تزويد طهران ميليشياتها بهذه الصواريخ جعل هذه الميليشيات في موقع قوة، لإسناد طهران، ولمشاغلة أعدائها.
و إذا شكل بناء الميليشيات والصواريخ أسلحة ردع، ونقل للمعركة – بالفعل – بعيداً عن حدود إيران فإن الهدف النهائي من وراء بناء البرنامج الصاروخي والميليشيات يتمثل في حماية برنامج آخر أكثر أهمية وخطورة، هو البرنامج النووي الذي سعت طهران لتطويره، في تنفيذ لأولويات الدروس القاسية التي خرجت بها طهران بعد حربها مع بغداد.
ولا يتم الحديث عن عوامل قوة النظام؛ بشرياً وعسكرياً وأمنياً ودعائيا دون ذكر العوامل الجيوستراتيجية المتمثلة في موقع إيران المطل على مضيق هرمز، الأمر الذي أكسبها القدرة على تعطيل حركة الملاحة الدولية في المضيق، وشكل عامل ضغط على الاقتصاد العالمي، خلال الحرب الحالية، وهو ما تهدف طهران من ورائه لمضاعفة كلفة الحرب، أملاً في الضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقفها، وهو الهدف الذي تسعى إيران – كذلك – لتحقيقه من خلال استهداف مضيق باب المندب، عبر وكلائها الحوثيين في اليمن.
وهناك سلاح إيراني يعد من أقوى عوامل قوة النظام، هذا السلاح هو سلاح «الابتزاز»، حيث يعتمد النظام ابتزاز الدول والجماعات والأفراد، ومن أمثلة ذلك ابتزازالمعارضين بوسائل شتى، منها النيل من أهاليهم باعتقالهم وتعذيبهم، للضغط على هؤلاء المعارضين في الخارج، ومنها استخدام أساليب لا أخلاقية لابتزازهم والإيقاع بهم. كما يستخدم النظام ورقة اعتقال الأجانب أو الإيرانيين الذين يحملون جنسيات أخرى، وذلك من أجل ابتزاز الدول التي يحمل المعتقلون جنسياتها، لتحقيق تسويات معينة في قضايا سياسية وأمنية، أو لإطلاق سراح عملاء استخبارات، وإرهابيين خططوا لاستهداف المعارضين في الخارج.
ومن مظاهر الابتزاز الذي مارسه النظام تسليط ميليشياته على بعض الدول العربية، لابتزازها في أمنها الوطني، وكذا تهديد الجوار بنشر الفوضى، وزرع خلايا التجسس، والتخطيط لإقلاق الأمن من الداخل، ونشر الفتن الطائفية، وتصدير التشيع، باسم تصدير الثورة الإسلامية، كل ذلك يهدف إلى ابتزاز الجوار، من أجل فرض معادلات يكون فيها لهذا النظام اليد الطولى في المنطقة، عدا عن ابتزاز الاقتصاد العالمي، عبر عرقلة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، كسلاح فعال، لإيقاف الحرب.
وبطبيعة الحال لا يمكن المرور على عوامل قوة النظام الإيراني التي وظفها في حروبه المختلفة دون المرور على «سلاح القدس وفلسطين»، وهو السلاح الذي من خلال توظيفه في المعارك الإيرانية استطاعت طهران اختراق الأمن القومي، والنسيج المجتمعي لعدد من الدول العربية، وإحداث فتن طائفية كثيرة، هدفت إلى إضعاف تلك الدول والهيمنة عليها، عبر ميليشيات الوكلاء.
ورغم كل عوامل القوة التي راكمها النظام خلال العقود الماضية، ومع التطورات المتسارعة، دولياً وإقليمياً، يبدو أن تلك العوامل تتحول إلى نقاط ضعف واستنزاف؛ فالميليشيات التي أنشأتها طهران، لتشكل مصدات أمنية لم تمنع وصول الحرب إلى العمق الإيراني، وفوق هذا أصبحت تلك الميليشيات تثقل كاهل النظام، اقتصادياً وسياسياً، إضافة إلى الحنق والاحتقان الشعبي المتزايد ضد إنفاق أموال الإيرانيين على تلك الميليشيات.
وأما البرنامج النووي فقد أصبح الكثير من الإيرانيين يتساءلون عن جدوى الاستمرار فيه، مع كل ما جرّ على البلاد من ويلات، آخرها الحرب، وقبل ذلك الحصار والعزلة الدولية، عدا عن إنفاق مئات مليارات الدولارات، في بنائه، دون الوصول للهدف من ورائه في الحصول على الردع الأمني، بعد أن تعرض ذلك البرنامج وكذا البرنامج الصاروخي لتدمير هائل، خلال الحرب الحالية.
أما محاولات النظام الابتزاز بتعطيل حركة الملاحة في هرمز فيبدو أن القوات الأمريكية ضربت بشكل موجع قدرات النظام في الجزر والموانئ الإيرانية، كما فرضت حصاراً بحرياً شاملاً على موانئ إيران في الخليج العربي وبحر عمان، وفرضت مؤخراً أقصى شكل من أشكال العقوبات على إيران، الأمر الذي انعكس سلباً على الاقتصاد الإيراني المتدهور أصلاً، حيث تحدث مسؤولون كبار على رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان عن العواقب المدمرة للحصار والعقوبات على اقتصاد البلاد.
وبالنسبة لسلاح «القدس وفلسطين» يبدو أن هذا السلاح فقد بريقه – داخلياً وخارجياً – بعد أن خسرت إيران مكاسبها التي راكمتها بسببه، خلال العقود الماضية، وذلك إثر اندلاع الحرب على غزة، الأمر الذي وضع طهران مباشرة، في مواجهة شعاراتها المعلنة في نصرة المستضعفين، وهو ما شكل خيبة أمل لدى المقاومة الفلسطينية التي خصّت إيران وميليشياتها بالدعوة لخوض المعركة مع غزة، غير أن إيران ترددت، خشية اندلاع الحرب المباشرة المكلفة التي لم تستطع طهران تفاديها، رغم كل محاولات النأي بالنفس. وفوق هذا تجلت – خلال الحرب – حقيقة أن إيران لم تخض معاركها، لصالح فلسطين، قدر ما استغلت فلسطين، لصالح سياساتها في الهيمنة والتوسع الإقليمي الذي شكل السبب الرئيسي للحرب.
وهنا يمكن أن نلحظ تحول عوامل القوة الإيرانية إلى عوامل استنزاف للنظام، بفعل المتغيرات الإقليمية والدولية، وبفعل استنزاف النظام نفسه لعوامل قوته، وتبديد طاقاته، في حروب عبثية، عبر وكلائه، قبل أن تنتقل تلك الحروب إلى الداخل الإيراني، ليدفع النظام الفاتورة الأقسى، منذ الحرب العراقية الإيرانية.



