إسرائيل والانتخابات الفلسطينية: نقاش حول «بيضة لم تفقّس بعد»

جمال زحالقة

حرير- في حين تتواصل الاستعدادات والنقاشات والتجاذبات حول الانتخابات التشريعية الفلسطينية المزمع إجراؤها في 28 نوفمبر من العام الجاري، يخيّم على العملية برمتها شبح الموقف الإسرائيلي، إذ يملك الاحتلال القدرة على تعطيل الانتخابات، أو عرقلتها بوسائل مختلفة. وقد يحوّل الموقف الإسرائيلي مجمل العملية الانتخابية والنقاش الدائر حولها إلى عاصفة في فنجان، فمن المستبعد أن تقبل إسرائيل بإجراء الانتخابات وفق الصيغة والمواصفات التي يجري تداولها فلسطينياً هذه الأيام.

ونقلت مصادر موثوقة (حصريا للقدس العربي) أن مسؤولا إسرائيليا كبيرا قال، «لم يتم بحث موضوع الانتخابات الفلسطينية في الكابينيت، أو الحكومة الإسرائيلية.. الموضوع سيناقش قريبا لكن لا يوجد موعد محدد لذلك. بالمجمل لا ثقة بأبو مازن وبنواياه، ونحن لا نرى شيئا ما إيجابيا سيخرج من هذه الانتخابات، لن تكون النتيجة سلطة أكثر اعتدالا، وغالبا العكس هو الصحيح». هذا يفسّر لمَ لم يطرح إلى الآن موقف إسرائيلي رسمي، ولمَ لم ترشح تسريبات حول الموضوع. إسرائيل على الأرجح ستضع شروطاً وقيوداً قاسية على مناطق إجراء الانتخابات، وعلى هوية القوى والقوائم المشاركة فيها، بما قد يحوّلها، إن أُجريت، إلى «نصف انتخابات بنصف مشاركة». فمن المرجّح أن تعارض إجراء الانتخابات في القدس وقطاع غزة، وربما في مناطق «ج»، وأن تسعى إلى تعطيلها، وربما تلجأ إلى التهديد باستخدام القوة، إذا شاركت فيها حركة حماس، حتى لو جاءت هذه المشاركة في إطار تحالف انتخابي واسع، من النوع الذي يدور الحديث عنه في القاهرة وغزة ورام الله.

تبدو التحضيرات للانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي تجري هذه الأيام أكثر جدّية من سابقاتها. لجنة الانتخابات المركزية تلتزم بالجدول الزمني المقرر، وتباشر تنفيذ الاستعدادات التقنية المطلوبة، وتقوم بإجراء اتصالات مع أطراف دولية لضمان نزاهة عملية التصويت وإجراء الانتخابات في موعدها. كما تجري مفاوضات وحوارات مكثّفة بين جميع الأطراف المرشّحة للترشّح في الانتخابات، من أحزاب وحركات وفصائل وشخصيات جماهيرية. وتطفو على السطح تصدّعات وانشقاقات من جهة ومحاولات لإنشاء تحالفات وتشكيل قوائم مشتركة من جهة أخرى. ويصطدم هذا الاندفاع الانتخابي الفلسطيني الصاخب بالموقف الإسرائيلي الصامت حاليا، لكنّه سيخرج عن الصمت في مرحلة ما مسنودا بقدرات وأدوات التعطيل، سواء الشامل أو الجزئي.

من شبه المستحيل أن توافق إسرائيل على إجراء انتخابات فلسطينية شاملة في الضفة والقطاع والقدس وبمشاركة حركة حماس، وهي ستضع شروطا وعراقيل جدّية، قد تحوّل الانتخابات إلى جزئية بالبعدين السياسي والجغرافي، أو أن تدفع التقييدات الإسرائيلية القيادة الفلسطينية إلى تأجيل الانتخابات، كما حدث عام 2021، حين أُعلن عن التأجيل بسبب رفض إسرائيل السماح للمقدسيين بالتصويت.

الانتخابات الإسرائيلية

لم تجر الانتخابات التشريعية الفلسطينية عامي 1996 و2006 في ظل حكم الليكود، فالأولى كانت حين كان شمعون بيريس من حزب العمل رئيسا للوزراء بعد مقتل رابين، وفي الثانية كان إيهود أولمرت من حزب كاديما، المنشق عن الليكود، رئيسا للوزراء بالوكالة، بعد أن دخل رئيس الوزراء حينها أرييل شارون في غيبوبة لم يصح منها إلى أن مات.

لأول مرّة يقف حزب الليكود ورئيسه بنيامين نتنياهو أمام اضطرار لاتخاذ موقف رسمي وعملي من انتخابات تشريعية فلسطينية. لم تعلن إسرائيل موقفا رسميا، ولم تبلّغ السلطة بموافقتها، لكنها ستكون مجبرة لحسم الموضوع، إمّا قبل الانتخابات الإسرائيلية في 27.10.2026، أو خلال الشهر الذي يليها. في كلتا الحالتين سيكون الليكود برئاسة نتنياهو في الحكم. ففي شهر ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ومهما كانت نتيجتها، سيبقى نتنياهو رئيسا لحكومة انتقالية، إلى حين الانتهاء من تشكيل حكومة جديدة، ولو فرضنا جدلا أن الائتلاف اليميني المتطرف الحالي يفوز في الانتخابات، فسيكون من شبه المستحيل إجراء الانتخابات الفلسطينية، لأن ذلك سيعرقل انضمام سموتريش وبن غفير إلى الائتلاف، ومن المستبعد أن «يتوّج» نتنياهو نصره الانتخابي بإجراء انتخابات لسلطة يسعى إلى محاصرتها وتقزيم دورها. أمّا إذا خسر الانتخابات فسيجد نفسه متحررا من الضغوط الدولية وسيجنح إلى التعطيل تعبيرا عن موقفه الحقيقي. في كلتا الحالتين، فوز الليكود أو نجاح المعارضة، نتنياهو هو الذي سيحسم القرار. هناك إمكانية جدية بأن يجري تأجيل الانتخابات ليتم إجراؤها في ظل حكومة ليس ليكودية، إن فازت المعارضة في الانتخابات. هذا احتمال وارد لكنّه يبقى مرهونا بعوامل وسياقات متعددة من الصعب تقديرها الآن.

شروط وعراقيل

هناك احتمال ضعيف بأن يعلن نتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية موقفه من الانتخابات الفلسطينية، وعندها سيخضع القرار للاعتبارات الانتخابية، وهي تضغط باتجاه العرقلة لا السماح. وأيًّا كان موعد الإعلان عن الموقف الإسرائيلي، فهو سيستند إلى المواقف والاستراتيجيات، التي تتبعها إسرائيل، خصوصا الحكومة الحالية التي ستبقى صاحبة القرار بكل ما يخص الانتخابات الفلسطينية. وتدور الاعتبارات الإسرائيلية حول عدة محاور جغرافية – سياسية:

أولا القدس: لقد وافقت إسرائيل مرتين على إجراء الانتخابات في القدس، بعد أن وضعت شروطا صعبة. وكان الشرط الأهم هو أن التصويت يجري في مكاتب البريد في المدينة، وكأن المواطنين يرسلون أصواتهم في رسالة إلى خارج البلد، وذلك لتمويه الربط بين الانتخابات والسيادة على القدس. وجاءت الموافقة الإسرائيلية على إجراء الانتخابات في القدس بضغط شديد من إدارة الرئيس بوش الابن، التي تبنت استراتيجية «نشر الديمقراطية». لقد تغيّر الموقف الأمريكي في عهد ترامب، الذي اعترف بضم القدس، ما يرجّح أن الولايات المتحدة لن تضغط على إسرائيل بهذا الخصوص. موضوع رفض إجراء انتخابات في القدس محسوم إسرائيليا ائتلافا ومعارضة، على اعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي لن يقبل بأي حال ممارسة «نشاط سيادي فلسطيني في القدس». السؤال: هل ستقبل القيادة الفلسطينية بإجراء انتخابات لا تشمل القدس؟

ثانيا غزّة: تفسّر إسرائيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية بأنّها محاولة من السلطة الوطنية لبسط سيطرتها على غزة. وعليه من المتوقّع ان تدعي بأن القطاع يخضع لمرحلة انتقالية ولسيادة مجلس السلام وفق خطة ترامب، ولا صلاحية للسلطة لإجراء انتخابات فيها. ومن المتوقع أن تدعي أن الانتخابات ممنوعة ما دامت المناطق التي ستجري فيها الانتخابات تخضع لسيطرة مباشرة من حركة حماس. وانتخابات غزة تحديدا مرتبطة أكثر من غيرها بالتنسيق لإدخال المواد الانتخابية وضمان سلامة حركة المراقبين والمصوّتين. إسرائيل ستسعى إلى منع الانتخابات في غزة لاعتبارات سياسية في مقدمتها فك الارتباط بين الضفة وغزّة، لأن الربط بينهما عبر العملية الانتخابية وما تفرزها، يعني الخطوة الأولى لعودة طرح مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع، الذي ترفضه إسرائيل بشدّة. كما أن الاستراتيجية الحقيقية لليمين الحاكم هي تهجير أهالي غزة وسد الطريق على ما يمكن أن يعيق هذا المخطط. السؤال هل ستذهب القيادة الفلسطينية إلى انتخابات بلا غزّة؟ أو إلى انتخابات في غزة بشروط مختلفة عن الضفة؟

ثالثا الضفة: يتراوح الموقف الإسرائيلي المحتمل بالنسبة لإجراء الانتخابات في الضفة بين السماح بإجرائها بلا عوائق إلى وضع قيود شديدة تجعل إجراءها أمرا مستحيلا. ومنها قيود على حرية الحركة عبر إغلاق حواجز ومحاولات تخريبية من مداهمات وعمليات عسكرية وحملات اعتقالات وانفلات المستوطنين. وقد «تكتفي» إسرائيل بمنع إجراء الانتخابات في منطقة «ج» وربما «ب» باختراع ذرائع مثل «توفّر معلومات عن مسعى لاستغلال حركة يوم الانتخابات للتغطية على عمليات عسكرية ضد الجنود والمستوطنين». وإذا قررت إسرائيل تعطيل الانتخابات في أي منطقة فستجد ما يكفي في سلّة الكذب الإسرائيلية العامرة. السؤال، هل ستقبل القيادة الفلسطينية إجراء الانتخابات، إذا فُرضت قيود وازنة على إجرائها حتى في الضفة الغربية؟

رابعا مشاركة حماس: لعل هذا هو البند الأوّل في الذي تعارضه إسرائيل، فهي ترفض رفضا قاطعا أي مشاركة لحركة حماس في الانتخابات التشريعية والنظام السياسي الفلسطيني عموما. وتشمل هذه المعارضة مشاركة حماس في تحالف انتخابي واسع، أو بحضور أفراد محسوبين عليها في قوائم مستقلة. ليس واضحا بعد كيف ستمارس إسرائيل رفضها لمشاركة حماس، ومن المحتمل أن تهدد باعتقال من تعتبره مرتبطا بحماس، قبل أو بعد الانتخابات بالقول «لا حصانة برلمانية لحماس». وقد تشترط إسرائيل قبولها لإجراء الانتخابات التشريعية بإخراج حركة حماس عن القانون الفلسطيني.

السؤال هل ستقبل القيادة الفلسطينية إجراء انتخابات بشروط سياسية إسرائيلية تتجاوز الشروط التي جاءت في قانون الانتخابات الفلسطينية؟

إسرائيل بالمجمل معادية للديمقراطية في العالم العربي، على اعتبار أن الانتخابات الحرّة تفرز بالضرورة قيادات معادية لها، لأن الشعوب معادية لها. وهي ستحاول إقناع الولايات المتحدة وأوروبا بأن نتائج انتخابات 2006، التي فازت فيها حماس قد تتكرر بعد مضي عشرين عاما.

العداء للديمقراطية الفلسطينية هو استمرار «طبيعي» لرفض انتخابات ديمقراطية متساوية في فلسطين في عهد الانتداب، إذ عرقلت القيادة الصهيونية أي محاولة لإجراء انتخابات على قاعدة «مواطن واحد صوت واحد»، التي كانت ستفرز بالضرورة أغلبية عربية معادية للصهيونية.

الأرجح أن تضع إسرائيل شروطا تؤدي إلى تأجيل الانتخابات، ليصبح صخب التحضيرات الانتخابية الحالي نقاشا حول بيضة لم تولد بعد، وللتدقيق لم تفقّس بعد.

مقالات ذات صلة