إسرائيل لم تعد خطّاً أحمر في أميركا

نضال منصور

حرير- هل بدأت انتفاضة جديدة ضد إسرائيل انطلقت شرارتها هذه المرّة من أميركا؟ هذا سؤال قد يجده بعضهم رغبوياً، ولا علاقة له بالواقع، وأن التحوّلات مهما بلغت لن تقصم عرى التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب… تؤشّر القراءات واستطلاعات الرأي الأميركية إلى تحوّلات جوهرية في النظرة إلى إسرائيل في كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وإن اختلفت المرتكزات والحدود. والاستنتاج الأبرز أن صورة إسرائيل التي كانت لدى المجتمع الأميركي لم تعد كما هي على الأقل، وأن الجيل الأميركي الجديد بات يحمل نظرة سلبية تجاه الكيان الصهيوني، وأصبح أكثر تعاطفاً مع عدالة الحق الفلسطيني.

عند تفكيك المشهد على ضوء معطيات الواقع، يبدو أن صورة إسرائيل دولة ديمقراطية تتآكل بين جدران الحزب الديمقراطي، والأكثر إثارة أن اليمين الشعبوي داخل بنية الحزب الجمهوري أصبحت لديه أسباب جوهرية لمعارضة إسرائيل، وكلا الاتجاهين يتفقان على سؤال مفصلي: لماذا تنفق الولايات المتحدة أموالاً، وتخوض حروباً بالوكالة عن إسرائيل، بينما يعاني الأميركيون من مشكلاتٍ في الصحة والتعليم والمسكن وتكاليف المعيشة؟

حين فاز زهران ممداني عمدة لنيويورك، قيل إنها طفرة عابرة وليست إرهاصاتٍ لتحوّلات سياسية تدعم الحق الفلسطيني، وتعيد النظر في الدعم الأعمى لدولة الاحتلال، ولكن صعود اليسار الديمقراطي توالى هنا وهناك، وكانت المعركة الفاصلة الانتصار الذي حققه عبد الرحمن (عبدول) السيد في ميشيغن، بعد أن هزم هالي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، رغم الدعم الذي حظيت به من مؤسّسات وشخصيات مؤيدة لإسرائيل.

لم تتوقّف الصدمات داخل الحزب الديمقراطي عند انتصار عبدول، بل تكرّر السيناريو، ما يؤكّد أن جدران الحزب تصدّعت، وعمليات الترميم لم تعد ذات جدوى، والأدلة ساطعة كأشعة الشمس ولا تخفى بغربال، ففي مينيسوتا كانت العلامة الفارقة عندما فازت بيغي فلاناغان بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، متقدّمة بفارق كبير على منافستها المدعومة من التيار المؤيد لإسرائيل، بينما فاز المرشّح التقدمي مات ليتل بمقعد مجلس النواب الذي كانت تشغله المنافسة نفسها. ويستمر تكسير القواعد السائدة، فقد حققت أنجي نيكسون، وهي من التيار الاشتراكي الديمقراطي، مفاجأة مدوّية بفوزها بترشيح الحزب لمجلس الشيوخ على حساب ألكسندر فيندمان، رغم الفارق الهائل في التمويل بين المرشحين.

جاء التطور الأكثر دلالة من كاليفورنيا، حين فازت أيشا وهاب، وهي من الأصوات الديمقراطية المنتقدة بشدة إسرائيل، بمقعد في مجلس النواب، رغم إنفاق ملايين الدولارات من جماعات “أيباك” لدعم منافستها. وقد حصلت وهّاب على 53.1% من الأصوات مقابل 46.9% لمنافستها، لتصبح أول أفغانية أميركية تدخل الكونغرس. وهكذا تتكرّر أمامنا صورة بدأت في ميشيغن: مرشّحون تقدّميون ينتصرون رغم الفارق الهائل في الإنفاق، ويحوّلون انتقاد النفوذ السياسي للوبي المؤيد لإسرائيل من عبء انتخابي إلى عنصر تعبئة داخل قطاعات متزايدة في القاعدة الديمقراطية. والملاحظة اللافتة للنظر أيضاً أن تأثير هذا التحول بدأ يتجاوز الحزب الديمقراطي نفسه؛ ففي ميشيغن، طلب المرشّح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز من “أيباك” تجنّب الظهور العلني في دعمه، خشية أن يتحوّل الارتباط بالمنظمة إلى عبء انتخابي. فإذا صح هذا الاتجاه، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يتراجع النفوذ السياسي للوبي المؤيد لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي؟ بل: هل بدأ الارتباط العلني به يتحوّل تدريجياً إلى مخاطرة انتخابية، وهذا هو الأهم.

عودة إلى عبدول، الظاهرة، فهو لم يخفِ مواقفه، منذ اللحظة الأولى يطالب بإنهاء الدعم غير المشروط لإسرائيل، وإعطاء الأولوية للرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية. والحقيقة أن ما يراه عبدول تعكسه استطلاعات الرأي بشكل جلي؛ 58% من الديمقراطيين يقولون إن أميركا تقدم دعماً أكبر من اللازم لإسرائيل، و62% من الجمهور نفسه يعتقدون أن أميركا لا تقدم دعماً كافياً للفلسطينيين، والأكثر دلالة أن نصف أعضاء الحزب الديمقراطي يؤكدون دون لبس أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية في غزّة. وفي المجمل، أصبح لدى 60% من الجمهور الأميركي، من مختلف الاتجاهات والأحزاب، نظرة سلبية إلى إسرائيل، وفي أوساط جيل الشباب الأميركي، فإن 58% يحملون نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، بينما تراجعت النظرة الإيجابية إلى إسرائيل، ولا تتعدّى 32%.

لم يهزّ تسونامي التغيير في الولايات المتحدة أركان القواعد اليمينية داخل الحزب الديمقراطي، وإنما تجاوزها ليفجر أسئلة مهمّة في صلب بنية معاقل الحزب الجمهوري، وخصوصاً بين أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهنا تبدو المعارك بين ترامب وتاكر كارلسون مؤشراً يمكن القياس والبناء عليه، وكلمة السر لهذه المعركة أصبحت “أميركا أولاً”؛ ماذا تعني، وما دلالاتها عند كل فريق؟

السؤال الإشكالي الذي يناقش بين قيادات الحزب الجمهوري: هل “أميركا أولاً” تعني دعم إسرائيل وحماية مصالحها، أم تعني عدم خوض حروب خارجية إلا إذا كانت هناك مصلحة أميركية مباشرة؟ اشتعل هذا النقاش أكثر وأكثر بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وسيادة قناعة في أوساط القرار الأميركي بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ورّط ترامب في هذه الحرب، كما جرّه إلى مواقف مخزية خلال حرب الإبادة على غزّة. وتاكر كارلسون ليس صوتاً وحيداً بين التيار اليميني الشعبوي داخل الحزب الجمهوري، وبات هناك رموز معروفة تعارض ترامب، وتضيّق الخناق عليه، وصارت حركة “ماغا” منقسمة، وليست صفاً واحداً يقف خلف الرئيس.

وبالرغم من أهمية هذه التحوّلات في الشارع الأميركي وتأثيراتها في المدى البعيد، فذلك لا يعني قطيعة مع تل أبيب، أو الانقلاب عليها، بل الذهاب تدريجيّاً وبشكل متزايد إلى إعادة تعريف العلاقة الأميركية الإسرائيلية: أين تبدأ، وأين يجب أن تنتهي؟ وربما نظرة أكثر إنصافاً للقضية الفلسطينية، وتحرّراً أكثر من سيطرة “أيباك” والنفوذ الإسرائيلي في الإدارة الأميركية والبيت الأبيض.

ربما أصبح الصراع في الحزب الديمقراطي أعمق؛ فقضية غزّة والموقف من إسرائيل باتا جزءاً أساسياً من الصراع على هوية الحزب الديمقراطي. ولهذا يحاول ممداني ومن يؤيده أن يمدّوا بساطهم، ويعزّزوا نفوذهم بمساندة مرشّحين تقدّميين في كل المعارك الانتخابية، وهذا ربما يكون معركة تمهيدية للموقف من السباق الرئاسي القادم.

الانتخابات النصفية القادمة ميزان مهم لما هو قادم، واستطلاع رويترز-إبسوس يفيد بأن الديمقراطيين يتقدّمون على الجمهوريين 42% مقابل 37%، ويميل المستقلون إلى جانب الديمقراطيين بفارق 12 نقطة، والسيناريو الأكثر ترجيحاً عند المراقبين استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب، وربما لن يتمكنوا من الظفر بمجلس الشيوخ، لكنهم سيقيّدون حركة الرئيس ترامب، ويكبحون جماحه.

ما يحدث في أميركا الآن له تداعيات ليست إيجابية على إسرائيل، وسيناريوهات المستقبل تقول إن الدعم لإسرائيل سيصبح مشروطاً بمعايير سياسية وحقوقية، وستصبح المساعدات لإسرائيل موضوعاً انتخابياً، وليست فقط محصورة في السياسة الخارجية. والفجوة بين الأجيال تتعمّق، فالشباب كسروا الصورة النمطية السائدة، وباتوا أكثر فهماً لقضية فلسطين، وأكثر مساندة ودعماً لها.

والخلاصة أن زمن الإجماع الحزبي على إسرائيل انتهى، ولم يعد نقد إسرائيل خطاً أحمر، أو “تابو” لا يمكن الاقتراب منه، كما لم يعد حكراً على اليسار والتقدميين في واشنطن، بل أصبح ظاهرة عامة؛ فالأميركيون من اليسار إلى اليمين يريدون فصلاً بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. الأكثر تفاؤلاً في المستقبل يسأل: بعد 20 عاماً، حين يصبح الشباب المتعاطف مع فلسطين والمؤيد لها في سدة الحكم، وهم من يملكون زمام السلطة في البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ، ماذا سيحدُث؟

مقالات ذات صلة