
القضية الفلسطينية لوحة تجريدية عربية عصية على فهم مقاصدها
حاتم الكسواني
تشير تطورات القضية الفلسطينية على الساحة العربية وكأنها لوحة تجريدية لفنان مدعي عاجز عن التعبير بريشته لدرجة ان المواطن العربي المتتبع للمواقف العربية اتجاه القضية الفلسطينية لا يستطيع أن يفهم او يلمح مقاصدها.
وتبعا لذلك فإن المواقف العربية اتجاه القضية الفلسطينية لا تتصف بالوضوح وثبات الموقف حيث تتأرجح المواقف العربية بين الصمت واللوم وفي احسن الأحوال إصدار البيانات الإستنكارية والتشكيك بجدوى النضال الفلسطيني او فعالية الوقوف إلى جانبه ومقارعة أعداءه
فمثلا في فيديو من إرشيف الرئيس المصري حسني مبارك وخلال لقاء مع طلبة جامعيين سأل سيادة الرئيس الراحل عن المساندة العربية للفلسطينيين في كفاحهم لتحرير بلادهم فكانت إجابته كالتالي :
عاوز مساندة عربية للفلسطينيين ضد أمريكا وإسرائيل ثم قهقه وقال… إبقى قابلني …. مشككا بأي وقوف عربي مساند للقضية الفلسطينية وقضايا العروبة العادلة.
وفي مقولة مشهورة للرئيس الراحل أنور السادات حول سؤاله عن سبب وقفه للقتال والموافقة على التفاوض بدلاً من الاستمرار في تصفية العسكريين الإسرائيليين المتواجدين في ثغرة الدفرسوار قال :
أنا لا أحارب إسرائيل، أنا أحارب الولايات المتحدة الأمريكية معبرا عن ذلك بالقول : دي أمريكا
اما الرئيس حافظ الأسد ومن بعده ولده بشار فلم بتوقفا يوما عن الإعلان بإحتفاظهما بالرد على الإعتداءات الإسرائيلية في الزمن والتوقيت المناسبين اللذين لم ياتيا قبل رحيل الأول وأثناء فترة حكم الثاني قبل سقوطه وهروبه للإتحاد السوفييتي.
أذن لم يكن العرب بوما جادون بوضع برنامج خاص لتحرير فلسطين او متفقون على إستراتيجية لمواجهة العدو الصهيوني وتمدده بعد سقوط لاءات الخرطوم الثلاثة( لا صلح، لا إعتراف ، لا تفاوض مع إسرائيل ) وبعدها حتى يومنا هذا بل أن كل برامج جامعة الدول العربية للمواجهة العربية العسكرية والثقافية والإقتصادية التي خصصت لها مؤسسات إشرافية من قبل جامعة الدول العربية قد جمدت او سقطت كمعاهدة الدفاع العربي المشترك، المنبثقة عن مجلس الدفاع العربي المشترك ، ومكتب المقاطعة المركزي لإضعاف الاحتلال إقتصاديا ، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) لحماية الهوية الثقافية ومقاومة التهويد.
ورغم ان شواهد التاريخ تثبت بأن أي امة تستطيع أن تملك قرارها وإستقلالها اذا امتلكت الإرادة وقدمت التضحيات بلا حساب كما فعلت فيتنام وأفغانستان وتفعل إيران اليوم في مواجهتها للسطوة العسكرية الأمريكية، و كما فعلت الجزائر مع فرنسا وجنوب أفريقيا مع المستعمر الإنجليزي…. والشواهد التاريخية العالمية كثيرة في هذا المجال.
وللإنصاف وعدم إنكار فضل من فكروا بمشروع عربي لمواجهة العدو الصهيوني وتحرير فلسطين وجهت السؤال التالي لجوجل :
هل هناك من قدم برنامجا عربيا لتحرير فلسطين ؟!
لقد سالت جوجل حول الموضوع وانا اعلم بأن دولة الشهيد وصفي التل يكاد يكون من أهم من فكروا بجدية في أمر تحرير فلسطين وقد حصلت على الإجابة التالية :
توجد شهادات ووثائق تاريخية تشير إلى أن رئيس الوزراء الأردني الأسبق وصفي التل كان يمتلك رؤية ومشروعاً استراتيجياً متكاملاً للتعامل مع القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين.
ركز فكر وصفي التل على العمل القومي المنظم والتجهيز الحقيقي للمعركة بدلا من شعارات الاستعراض.
وفيما يلي أبرز ملامح مشروعه ورؤيته:
1. الاستراتيجية العسكرية وتوزيع الجبهات
الجبهات الدفاعية والهجومية: اقترح التل تصوراً عسكرياً يقسم الجبهات إلى أربع؛ ثلاث دفاعية (الجبهة الشمالية لسوريا، والشرقية للأردن، والجنوبية لمصر)، وجبهة رابعة هجومية واستنزافية تتشكل من الفلسطينيين وتعمل داخل الأراضي المحتلة لاستنزاف العدو.
حرب التحرير الشعبية: آمن بأن مواجهة إسرائيل لا تكون بالجيوش الكلاسيكية غير المستعدة، بل عبر حرب شعبية طويلة الأمد تُعنى بإعداد الإنسان وتجهيز المجتمع والدولة بالكامل للمعركة.
“عمان هانوي العرب”: عُرف عنه قوله إنه يسعى لجعل العاصمة الأردنية قاعدة انطلاق حقيقية ومنظّمة للعمل الفدائي والوطني المساند لفلسطين.
2. موقفه من الحروب غير المجهزة
معارضة حرب 1967: عارض وصفي التل بشدة دخول الأردن حرب يونيو 1967 عندما كان رئيساً للديوان الملكي؛ محذراً من أن العرب غير جاهزين عسكرياً وسياسياً، وأن الحرب ستؤدي إلى نتائج كارثية واحتلال ما تبقى من أراضي فلسطين (الضفة الغربية والقدس).
الإصرار على القتال المنظم: كان يرى أن إسرائيل لن تنسحب أو تُهزم إلا بقوة منظمة ومخطط لها بعناية، وليس عبر المزايدات الإعلامية.
3. الربط بين قوة الأردن وفلسطين
وحدة المصير: كان يعتبر القضية الفلسطينية والأردن شيئاً واحداً ومصيراً مشتركاً، وكان يردد دائماً أن قوة القضية الفلسطينية تستمد من قوة الدولة الأردنية ومؤسساتها، وليست بديلاً عنها.
مشروع المواجهة الشاملة: توجه في أواخر أيامه قبل اغتياله عام 1971 إلى القاهرة حاملاً مشروعاً عربياً لتحرير فلسطين يعتمد على إعادة ترتيب صفوف المواجهة، والذي اغتيل على إثره.
وإمعانا في إنكار قدرة الأمة على هزم اعداءها نجد بأن معركة كمعركة الكرامة التي كانت أول إنتصار عربي واضح على العدو الصهيوني بعد هزيمة عام 1967 لا يحتفل بها ولا يستذكرها إلا مؤسسات المجتمع الأردني والفلسطيني الذي شارك بها.
وحيث ان وصفي التل قد غاب مستشهدا عن الساحة وتبعه في الرحيل قادة حملوا هم القضية الفلسطينية فإن الأمر أضحى واضحا بأن عبأ استكمال مشوار التحرر الفلسطيني بات ملق في معظمه على الفلسطينيين وحدهم مهما غلت التضحيات ، حيث لا أمل بمشروع عربي لوقف الإعتداءات الصهيونية على أبناء فلسطين بعد كل هذا الصمت والتخلي عنهم منذ السابع من أكتوبر عام 2023 حتى يومنا هذا.
هذا مجرد رأي ووجهة نظر رغم املنا الكبير بالأمة وحتمية نهوضها.



