
حين أراد بن غوريون أن يصهين سبينوزا
وسام سعادة
حرير- ثمة مفارقة غير عارضة في تاريخ إسرائيل: ففي أواخر عام 1953، استقال ديفيد بن غوريون من رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع في إسرائيل بعد أن تمادى في تطبيق العقيدة الأمنية الأكثر تشددا، في مقابل حذر موشيه شاريت. تجسّد نهج بن غوريون في إنشاء «الوحدة 101» بقيادة أرييل شارون لمواجهة ما سمّته إسرائيل «تسلّل» اللاجئين، أي عودتهم إلى المناطق التي هُجّروا منها. وبلغ هذا المنطق ذروته في مجزرة قبية، ليلة 14–15 أكتوبر، حين قتلت الوحدة، بمشاركة قوة من المظليين، نحو تسعة وستين فلسطينيا. أدانت إدارة أيزنهاور المجزرة، وأسهمت واشنطن في إصدار قرار مجلس الأمن 101، الذي عدّها خرقًا لاتفاقية الهدنة يفنّد هذا السجل صورة إسرائيل المبكرة كدولة غير منضبطة تلقائيًا بالشرعية الدولية؛ إذ سبقت عملياتها الإرهابية المتجاوزة لخطوط الهدنة اكتمال صعود القومية العربية الراديكالية ثم انطلاقة حركة فتح.
لكن وجه المفارقة ليس هنا، بل في أن بن غوريون بعد أن اعتزل أحوال الدولة في مزرعة بالنقب، سرعان ما افتتح معركة فلسفية. حيث نشر ديفيد بن غوريون في صحيفة «دافار» مقالاً بعنوان «فلنُقوِّم الاعوجاج». دعا فيه الجامعة العبرية في القدس إلى تولّي ترجمة الأعمال الكاملة للفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، المنحدر من يهود البرتغال الذين أُكره أسلافهم على التنصّر، ونشر هذه الأعمال بالعبرية الحديثة، استعداداً للذكرى المئوية الثالثة لـ«الحَرْم الأبدي» الذي أصدرته في حقه، عام 1656، الجماعة اليهودية السفاردية البرتغالية في أمستردام.
كان سبينوزا يومئذ في الثالثة والعشرين، وقد اتُّهم باعتناق «هرطقات شنيعة» وارتكاب «أفعال فظيعة»، استناداً إلى إفادات شهود قيل إنهم موثوق بهم. ومع أنه لم يكن قد نشر بعد أياً من مؤلفاته، قضى نص الحَرْم بنبذه تماماً، وحظر على أبناء الجماعة مخاطبته، مشافهة أو كتابة، أو إسداء أي معروف إليه، أو الإقامة معه تحت سقف واحد، أو الدنو منه مسافة تقل عن أربعة أذرع، أو قراءة ولو سطر له.
شدّد بن غوريون في مقالته على أن مدوّنة الأدب العبري الحديث ستظل ناقصة ما لم تُدرج أعمال سبينوزا في عداد الذخائر الفكرية والروحية للشعب اليهودي. كما استند إلى مقطع من «الرسالة اللاهوتية السياسية» لا يستبعد فيه سبينوزا، بل يميل إلى ترجيح، إمكان أن يستعيد اليهود مُلكهم متى سنحت لهم الفرصة. غير أن رئيس الحكومة المستقيل انتزع العبارة من سياقها الجدلي، ومضى إلى وصف سبينوزا بأنه «أول صهيوني في القرون الثلاثة الأخيرة».
لم يطلب بن غوريون صراحةً من الحاخامات رفع الحَرْم، غير أن مبادرته فُهمت فوراً على هذا النحو، فأثارت ردود فعل غليظة ومستهجنة في الأوساط الدينية والمحافظة. وكان منطق بن غوريون يقوم على معادلة واضحة: لقد ألحق المنفى والشتات الظلم بسبينوزا، أما الدولة العبرية الفتية فلا تستكمل بناء شخصيتها المستنيرة والمتصالحة مع ذاتها إلا بأن تعود إليه فتردّه إلى «شعبه». في المقابل، رأى مستهجنو المبادرة أنها تنطوي على مكر سياسي يرمي إلى إخضاع المجال الديني لسلطة القائمين على الدولة؛ فسبينوزا، في نظرهم، خرج عن الملّة قصداً وفعلاً، ولا يجدي التذاكي بتقديمه سلفاً نموذجياً للمشروع الذي حوّل الملّة الدينية إلى أمة قومية. هذا فضلًا عن أن السجال أعاد فتح الإشكال الذي لا ينتهي بشأن العلاقة بين الديني والقومي، وأيّهما تكون له الغلبة في تحديد ماهية «الشعب اليهودي» ومآلاته.
غير أن بن غوريون، في مسعاه إلى «تقويم الاعوجاج»، لم يكن ليصطدم بالتيار الديني المتشبث بتحكيم الشريعة فحسب، بل كان يواجه أيضا تراثاً فلسفياً يهودياً حديثا اتسم موقفه من سبينوزا بقدر بالغ من التوتر. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر، تعاملت الهسكالاه، أي حركة الأنوار اليهودية في أوروبا، مع سبينوزا بوصفه حمولة فكرية زائدة: إرثاَ لا يمكن طرحه كله، ولا يسهل حمله إلا مواربة. ومع ذلك، ظل موقف المسكِليم، وفي طليعتهم موسى مندلسون، على ما شابه من تحفظ وتردد، أرحم بالفيلسوف الهولندي من الموقف الذي بلوره لاحقا هرمان كوهين، أحد أبرز أعلام مدرسة ماربورغ النيوكانطية، ولا سيما في دراسته الصادرة سنة 1915، «سبينوزا حول الدولة والدين واليهودية والمسيحية».
رأى كوهين أن سبينوزا، بمماهاته بين الله والطبيعة وإخضاعه كل ما في الوجود لضرورة صارمة، قد قوّض فكرة حرية الإرادة الإنسانية. وبذلك غدا، في نظره، خصماً مزدوجاً: خصماً لفلسفة إيمانويل كانط الأخلاقية، التي تفترض ذاتاً عاقلة حرة قادرة على جعل الواجب مبدأً لفعلها، وخصماً للتراث الديني والأخلاقي اليهودي. وذهب كوهين إلى أن سبينوزا سلّم خصوم اليهودية، من المسيحيين الهجوميين والمعادين للسامية على حد سواء، سلاحاً فكرياً بالغ النفاذ. فقد دأب جانب من الخطاب المسيحي الألماني على تصوير اليهودية دينًا لـ«الحرف لا الروح»، وللطاعة القانونية لا للأخلاق الكونية، وبقايا تشريع قومي غريب عن الحداثة الأوروبية. وفي نظر كوهين، بدا سبينوزا، وهو الخارج من صلب اليهودية، كأنه يزكّي هذه الصورة حين اختزل الشريعة الموسوية في نظام سياسي وطقسي انقضى بانقضاء إسرائيل العصر القديم، بينما أسبغ سبينوزا على تعاليم المسيح طابعا كونيا. لذلك لم يكتفِ كوهين برفض فلسفته، بل رماه بارتكاب «فعل خيانة يستعصي فهمه إنسانيا»، ورأى فيه أبرز من تولّى اتهام اليهودية أمام العالم المسيحي… أباحنا أمام الأغيار!
أما فرانتس روزنتسفايغ، فقد أقام مشروعه الفلسفي، من دون أن يكرر حكم كوهين الأخلاقي بحذافيره، على الضد من الأفق السبينوزي. فموضع الاعتراض عنده أن فلسفة الجوهر الواحد تذيب الحدود الفاصلة بين الله والعالم والإنسان، وتردّ الحدث والعلاقة والزمن إلى لحظات داخل كلّية مكتملة سلفًا ومحكومة بالضرورة. وفي مقابل ذلك، أصرّ روزنتسفايغ على واقعية هذه الأقطاب الثلاثة واستحالة اختزال أحدها في الآخر، وعلى أن ما يصل بينها لا يتحقق إلا في الزمن، من خلال الخلق والوحي والفداء. ومن ثم بدت له السبينوزية حبسًا للانهائي داخل كلّية مغلقة لا تترك مجالًا صميماً للمغايرة أو للحدث.
ثم جاء إيمانويل ليفيناس ليمنح هذا الاعتراض صيغة أشد صراحة. ففي مقاله الصادر سنة 1955 بعنوان «قضية سبينوزا»، الذي كتبه اعتراضا على بادرة بن غوريون، لم يجعل مشكلة سبينوزا في عدم إيمانه، بل في أنه لم يترك للتراث اليهودي إمكانا لأن يُقرأ بوصفه تراثا حيّاً. فسبينوزا، في نظره، لم يُدخل اليهودية إلى التاريخ إلا بعد أن أعلن موتها، ولم يمنحها قيمة كونية إلا من خلال تجاوزها.
إلى حدّ بعيد، أسهم الاعتراض المحافظ، الديني والفلسفي، في إنقاذ سبينوزا من استهلاك قومي مفرط داخل أيديولوجيا صهيونية ذات بنية استعمارية استيطانية، لا يمكن إلحاقه بها إلا بعنف تأويلي. لكنه اعتراض كشف مأزقا عميقًا في علاقة الدولة العبرية بتركة التنوير، حتى في طورها العمالي اليساري. أرادت من سبينوزا شهادةً على استنارتها، من دون أن تعرّض نفسها للمفعول النقدي لفكره. لذلك لم يكن إخفاق بن غوريون في حمل إسرائيل على «تبنّي» سبينوزا تفصيلًا في تاريخ التلقي، بل علامةً على تناقض تأسيسي. أما اجتماع رهط ممن يلتمسون اليوم قبساً من الاستنارة عند نتنياهو وبن غفير، مع رهط المنقّبين عن أصالات نيوفينيقية وباشانية، فليس سوى الوجه الكاريكاتوري المتأخر للمأزق نفسه. لكن الصهيونية الإسرائيلية بتناقضاتها الحيوية هي الجد. أما الصهيونيات المحلية فهزل أكثر ما يؤذي المعولين عليه.



