سليمان منصور… خرج الرسام من اللوحة وبقيت فلسطين

يحيى بركات - مخرج وكاتب سينمائي

ثمة رجل عجوز يمشي منذ أكثر من نصف قرن.

ظهره منحنٍ قليلاً، قدماه مثقلتان بالطريق، وعلى كتفيه حمل لا يستطيع إنسان أن يحمله: القدس.

رسمه سليمان منصور، ثم تركه يمشي.
خرج الرجل من إطار اللوحة، دخل بيوت الفلسطينيين ومخيماتهم ومنافيهم، عُلّق على الجدران، حمله المسافرون في حقائبهم، وعبر إلى مدن العالم، حتى لم تعد «جمل المحامل» لوحة لفنان، بل أصبحت واحدة من تلك الصور التي لا نعرف أين ينتهي فيها الفن وأين تبدأ الذاكرة.

واليوم، رحل سليمان منصور.
وأشعر أن المشهد انقلب.

لم يعد ذلك الفلسطيني العجوز وحده من يحمل القدس على ظهره.

نحن الذين نحمل سليمان.

نحمل فناناً لم يرسم فلسطين من بعيد، ولم يتعامل معها موضوعاً يصلح للوحة، بل عاشها مادةً ولوناً وذاكرةً وهوية.

كانت شجرة الزيتون عنده أكثر من شجرة.
والبرتقالة أكثر من ثمرة.
والثوب المطرز أكثر من ثوب.
والمرأة الفلسطينية أكثر من جسد في لوحة.
والقدس أكثر من مدينة.

كانت كلها مفردات في لغة بصرية صنع بها سليمان منصور وطناً لا يستطيع الاحتلال مصادرته.

وحين حاول الاحتلال أن يحاصر حتى أدوات الفنان، لم يبحث سليمان عن طريق أسهل إلى اللوحة. عاد إلى الأرض نفسها؛ إلى الطين والحناء والمواد الطبيعية. وكأن الفنان يقول بصمت شديد: إذا حاصرتم اللون، سأرسم بالتراب. وإذا صادرتم أدواتي، سأجعل فلسطين نفسها أداة للرسم.

هنا تكمن عظمة سليمان منصور.

لم يكن فناناً يرسم القضية، بل فناناً جعل الفن نفسه فعلاً من أفعال البقاء.

ومن هنا أيضاً خرج من حدود الفنان الوطني الفلسطيني إلى فضاء أوسع؛ كما فعل قبله الكبير إسماعيل شموط، أصبح فلسطينياً وعربياً وإنسانياً وعالمياً في آن واحد.

فالفنان العالمي ليس من ينسى أرضه كي يفهمه العالم.
الفنان العالمي هو الذي يغوص عميقاً في أرضه حتى يعثر، في قاع تجربته الخاصة، على الإنسان الذي يستطيع الجميع أن يتعرفوا إليه.

وهذا ما فعله سليمان.

رسم الفلسطيني، فرأى العالم الإنسان.
رسم المنفى، ففهم العالم معنى الفقد.
رسم المرأة والأرض والشجرة، فحوّل تفاصيل المكان الصغير إلى أسئلة كبرى عن الوطن والاقتلاع والذاكرة والحرية.

لكن خلف هذا كله كان هناك سليمان الذي عرفناه.

الإنسان الهادئ.
النبيل.
المتواضع أمام فنه، كأن كل هذه المكانة لا تخصه.
ذلك النوع النادر من المبدعين الذين تكبر أعمالهم في العالم، بينما يزدادون هم بساطة.

ولهذا يصعب عليّ أن أكتب عنه اليوم بصيغة الغائب.

فبعض الفنانين يموتون وتبقى لوحاتهم.

وسليمان منصور من أولئك القلائل الذين يحدث معهم شيء آخر:
يبقى الفنان داخل اللوحة.

سيبقى في انحناءة ذلك العتال الذي يحمل القدس.
في جذع زيتونة عجوز.
في برتقال يافا.
في أثواب النساء المطرزة.
في وجوه الفلاحين.
في طين الأرض.
وفي تلك المساحة التي صنعها لنا كي نرى فلسطين، لا كما أراد المحتل أن يقدمها للعالم، بل كما رآها أهلها وعاشوها وحلموا بها.

وداعاً يا صديقي سليمان.

كنت فناناً فلسطينياً كبيراً، ثم أصبحت واحداً من كبار الفنانين العرب، ومضيت بفنك أبعد من الجغرافيا، إلى المكان الذي يصل إليه الفن الحقيقي حين يصبح ملكاً للإنسان أينما كان.

واليوم، وأنا أبحث عن صورة أخيرة تليق بوداعك، لا أجد قبراً ولا ستارة سوداء.

أرى «جمل المحامل» من جديد.

الرجل العجوز ما زال يمشي.
القدس ما زالت فوق ظهره.
الطريق ما زال طويلاً.

لكنني، حين أقترب أكثر من اللوحة، أشعر أن حملاً جديداً قد أضيف إليها:

ذاكرة فنان اسمه سليمان منصور.
فنم هادئاً

أيها النبيل.
لقد أنزلت الريشة من يدك…
لكن اللوحة لم تنتهِ.

– يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

مقالات ذات صلة