هل انتهى “الشرق الأوسط الأميركي؟

محمد أبو رمان

حرير- يطرح مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، وأحد أبرز الأكاديميين الأميركيين المتخصصين في المنطقة، سؤالاً كبيراً في مقاله المنشور أخيراً في مجلة الشؤون الخارجية (Foreign Affairs): هل وصلنا بالفعل إلى نهاية “الشرق الأوسط الأميركي”؟ أي ذلك النظام الإقليمي الذي تشكل، وفقاً له، منذ العام 1991، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب تحرير الكويت، وقام على تفوق أميركي شبه مطلق في المنطقة، عسكرياً وسياسياً واستراتيجياً؟

ليست أهمية المقال فقط في السؤال الذي يطرحه، بل أيضاً من المسار البحثي لصاحبه، فلينش من الباحثين الأميركيين الذين تابعوا تحولات المنطقة خلال العقود الأخيرة بصورة لصيقة، واشتغل على السياسة العربية والحركات الإسلامية والإعلام والرأي العام والثورات العربية والسياسة الأميركية. ومن أعماله المهمّة كتاب “الشرق الأوسط الأميركي”، الذي يمكن النظر إلى المقال الجديد بوصفه امتداداً وتحديثاً لحجته الرئيسية بعد الحرب مع إيران، فضلاً عن كتابه عن الانتفاضات العربية The Arab Uprising، وكتابه The New Arab Wars، وكذلك الكتاب المرجعي الذي شارك في تحريره The Political Science of the Middle East، الذي حاول إعادة النظر في حقل دراسة السياسة الشرق أوسطية بعد الثورات العربية.

ما يقوله لينش، باختصار، أنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية أخيراً مع إيران لم تكن مجرد حرب أخرى في سلسلة الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة، بل ربما تكون اللحظة التي كشفت انتهاء صلاحية النظام الإقليمي الذي بنته واشنطن طوال ثلاثة عقود ونصف العقد. وهو يستعير هنا لحظة السويس عام 1956؛ لم تنته الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب، ولم تغادر بريطانيا الخليج إلا في 1971، لكن السويس كشفت أنّ زمن الهيمنة البريطانية انتهى، وأنّ استمرار القواعد والنفوذ والعلاقات لم يعد يعني استمرار النظام القديم نفسه.

يقيم لينش حجته على تطورين كبيرين: غزة وإيران. ألحقت حرب غزّة، برأيه، ضرراً بالغاً بما تبقى من الشرعية الأخلاقية والسياسية الأميركية في المنطقة، بينما كشفت الحرب الإيرانية حدود القوة العسكرية الأميركية. فواشنطن وتل أبيب لم تنجحا في إسقاط النظام الإيراني، ودول الخليج وجدت نفسها معرّضة لضربات إيرانية بسبب حرب لم تكن تريدها أصلاً، فيما أثبتت أزمة مضيق هرمز أنّ التفوق العسكري الأميركي الهائل لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم بمسار الحرب ونتائجها.

تلك حجة مهمة، وفي جانب كبير منها مقنعة، لكن هنالك جزءاً من قصة العلاقة الأميركية مع المنطقة يحتاج، في تقديري، إلى مزيد من التفكيك؛ وتحديداً العلاقة بين واشنطن والسلطوية العربية، فإذا كانت السياسة الأميركية قامت لعقود على صفقة مع الأنظمة السلطوية: الأمن والاستقرار والنفط وحماية المصالح الأميركية وإسرائيل في مقابل غض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية، فإنّ هجمات 11 سبتمبر (2001) أحدثت شرخاً مهماً في هذه القناعة، إذ لم تكن الصدمة الأميركية فقط في حجم الهجمات، بل في السؤال الذي ترتب عليها: ماذا لو كانت السلطوية التي اعتبرناها عقوداً مصدراً للاستقرار هي نفسها التي تنتج البيئة السياسية والاجتماعية الحاضنة للتطرّف؟.. لقد كان الدرس الذي خرج به المحافظون الجدد حينها أنّ الأنظمة المغلقة لا تلغي الأزمات، وإنما تضغط عليها في الداخل إلى أن تنفجر، وقد تصل شظاياها إلى الغرب نفسه. ومن هنا جاءت مبادرة كولن باول للشراكة مع الشرق الأوسط في نهاية العام 2002، ثم مشروع “الشرق الأوسط الكبير” وخطاب نشر الديمقراطية والإصلاح بعد ذلك.

المفارقة أنّ أكثر محاولة أميركية طموحاً للانقلاب على الصفقة التقليدية مع السلطوية العربية جاءت من الجمهوريين والمحافظين الجدد، لا من الديمقراطيين. ووصل الأمر لدى بعض دوائر التفكير الأميركية حينها إلى الحديث عن تغيير الأنظمة وإعادة تشكيل المنطقة، ثم شاع لاحقاً مفهوم “الفوضى الخلاقة”، انطلاقاً من افتراض أنّ المحافظة على الوضع القائم لم تعد تحقق الأمن الأميركي، وأنّ المطلوب تغيير البيئة السياسية التي تنتج التطرّف حتى لو كانت عملية الانتقال نفسها محفوفة بالمخاطر. لكن العراق كان الضربة الكبرى لهذه النظرية، فالنتيجة جاءت معاكسة تقريباً لما توقعه مهندسو الحرب؛ سقط نظام صدام حسين، لكن الدولة نفسها تعرّضت لهزة هائلة، وانفجرت الصراعات الطائفية، وصعد تنظيم القاعدة، والأهم استراتيجياً أنّ الحرب أطلقت المارد الإيراني من قمقمه، إذ تخلصت طهران من أحد أكبر خصومها، ووجدت أمامها عراقاً جديداً أصبحت تمتلك فيه نفوذاً غير مسبوق.

في المحصلة؛ بدلاً من أن يكون العراق نموذجاً للشرق الأوسط الليبرالي الجديد، أصبح تحذيراً من مخاطر تغيير الأنظمة بالقوة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت أحلام إعادة هندسة المنطقة تتراجع في واشنطن، وعاد هاجس الاستقرار، ثم جاء الربيع العربي في عهد باراك أوباما، وأعاد السؤال نفسه، ولكن هذه المرّة لم تأتِ عملية التغيير من دبابة أميركية، بل من الشارع العربي. لم يقف أوباما ضد الثورات العربية، وقبل بالتحولات التي حدثت في مصر وتونس، لكنه، في الوقت نفسه، لم يتبنَّ مشروع التحول الديمقراطي ولم يدعمه بالقوة السياسية والاستراتيجية المطلوبة. كان مستعداً للتعامل مع التغيير عندما يصبح أمراً واقعاً، لكنه لم يكن مستعداً لدفع أثمان كبيرة من أجل حمايته.

نقطة التحول في السياسة الأميركية تمثلت بمقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في ليبيا في بنغازي، فقد عمّقت مخاوف إدارة أوباما من اليوم التالي لسقوط الأنظمة، وعززت من حجج التيار المتحفظ على الربيع العربي، وهو التيار الأكثر نفوذاً في الأوساط الأميركية، بخاصة إذا كان البديل هي الحركات الإسلامية. وهكذا، عندما بدأت الثورة المضادة عربياً، وإعادة ترميم النظام السلطوي على المستويين الداخلي والإقليمي، لم تكن إدارة أوباما راغبة في خوض مواجهة من أجل منع ذلك. وبالتدريج، عادت السياسة الأميركية إلى المعادلة التي حاولت الخروج منها بعد “11 سبتمبر”: الاستقرار أولاً.

مع ترامب، عادت هذه السياسة بصورة أكثر وضوحاً وصراحة، فلم يعد هنالك حديث جدي عن الديمقراطية أو الإصلاح السياسي؛ فقد عادت الصفقة القديمة، بلغة أكثر مباشرة: المصالح الأميركية مقابل التعاون مع الأنظمة القائمة، بصرف النظر عن طبيعتها السياسية. لكن شيئاً جديداً حدث هذه المرّة، وربما لا يمنحه لينش المساحة الكافية في تفسيره للتحول الحالي؛ وهو الالتقاء المتزايد بين اليمين الأميركي، وبخاصة الحركات المسيحية الصهيونية المؤيدة لإسرائيل، واليمين الإسرائيلي الصاعد بشقيه القومي والديني، وهذا العامل مهم لأننا لم نعد نتحدث فقط عن التحالف الأميركي التقليدي مع إسرائيل، بل عن تقاطع أيديولوجي وسياسي بين قوى مؤثرة داخل الطرفين في رؤيتها إلى المنطقة وللفلسطينيين وإيران.

ظهر هذا واضحاً بعد حرب غزّة، ومع النخبة المحيطة بترامب، التي كان بعضها أقرب من أي وقت سابق إلى تصورات اليمين الإسرائيلي عن الصراع الفلسطيني وعن مستقبل المنطقة، إذ لم تعد إسرائيل مجرد حليف ينبغي ضمان أمنه، بل أصبحت رؤيتها للأمن الإقليمي نفسها حاضرة بقوة في النقاش الأميركي.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الحرب مع إيران أيضاً، ففكرة أنّ ضربة عسكرية كبيرة يمكن أن تنتهي بإسقاط النظام الإيراني والتخلص من أكبر خصم إقليمي لإسرائيل تعيد إلى الأذهان، بصورة أو بأخرى، التفكير الذي سبق حرب العراق: ضربة حاسمة، سقوط النظام، ثم ولادة توازن إقليمي جديد. لكن إيران لم تكن عراق صدّام حسين، ولم تكن النتيجة شبيهة بما حدث في فنزويلا أيضاً، فقد بقي النظام الإيراني، ولم يتخلص نتنياهو من عدوه اللدود، وأظهرت إيران، رغم الخسائر والضربات الكبيرة، أنها ما تزال قادرة على الرد وإيذاء حلفاء الولايات المتحدة وتهديد المصالح الاقتصادية الحيوية في المنطقة.

يعيدنا هذا إلى مارك لينش، فالمشكلة بالنسبة إلى الهيمنة الأميركية ليست في عدد القواعد العسكرية أو حاملات الطائرات أو حجم الترسانة، بل في اللحظة التي يبدأ فيها الحلفاء أنفسهم بالتساؤل: هل تستطيع الولايات المتحدة بالفعل حمايتنا؟ وهل تتطابق مصالحها معنا؟ أم يمكن أن تدخل حرباً لا نريدها ثم نتحمل نحن جانباً كبيراً من نتائجها؟.. وعندما يصل الحلفاء إلى هذه الأسئلة تبدأ قواعد اللعبة بالتغير، ليس المطلوب أن ينقلبوا على الولايات المتحدة أو يتحالفوا مع الصين وروسيا، بل يكفي أن يبدأوا بتنويع خياراتهم، وفتح قنوات مع الخصوم، وبناء تحالفات إقليمية خاصة بهم، وأخذ مسافة من الاستراتيجية الأميركية عندما تتعارض مع مصالحهم.

من هنا، مثلاً، تكتسب ترتيبات مكّة أخيراً دلالة تتجاوز مضمونها المباشر. فهي لا تعني ولادة “ناتو إسلامي”، ولا تعني أنّ السعودية أو تركيا أو باكستان قرّرت مغادرة علاقتها مع واشنطن، لكن الاتجاه الذي تشير إليه مهم: تريد دول المنطقة امتلاك خياراتها الخاصة، ولا تريد أن يبقى أمنها مرهوناً بالكامل بهندسة أميركية تقوم على الاتفاقيات الإبراهيمية ودمج إسرائيل في قلب النظام الأمني الإقليمي وبناء المنطقة حول مواجهة إيران، ويقترب لينش من هذه النتيجة عندما يتوقع أن تتحرك الاصطفافات الإقليمية بعيداً عن التحالف المناهض لإيران الذي تتصوّره واشنطن، وأن تبحث دول الخليج عن تفاهمات مع طهران، ويشير إلى تحرّك سعودي سابق باتجاه شبكة تضم مصر وتركيا وباكستان وقطر في مقابل ما يسمّيه منطق الاتفاقيات الإبراهيمية المدعوم أميركياً.

تبدو مقارنة لينش بالسويس موفقة بالفعل، ولكن ربما بمعنى مختلف قليلاً، إذ لم تكن السويس عام 1956 نهاية الوجود البريطاني في الشرق الأوسط، وإنما اللحظة التي اكتشف فيها الجميع، وربما البريطانيون أنفسهم، أنّ بريطانيا لم تعد قادرة على تقرير مستقبل المنطقة كما كانت تفعل، وقد تكون حرب إيران لحظة أميركية مشابهة: الولايات المتحدة باقية في الشرق الأوسط، وستبقى قوة أساسية فيه سنوات طويلة، لكن المنطقة نفسها بدأت تتعلم شيئاً جديداً؛ أنّ بإمكانها أن تبحث عن ترتيبات وتحالفات وخيارات لا تبدأ دائماً من واشنطن ولا تنتهي عندها.

مقالات ذات صلة