عندما تتحدث المسيّرات… هل كانت ضربة دمياط رسالة قبل أن تكون هجومًا؟

بقلم الاذاعي: شريف عبد الوهاب -رئيس الشعبة العامة للاذاعيين العرب

في زمن الحروب الجديدة، لم تعد كل ضربة عسكرية تُقاس بحجم الدمار الذي تتركه، فبعض الضربات تُقاس بما تقوله أكثر مما تُقاس بما تُحطمه.
حادث ميناء دمياط يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الانفجار أو الحريق: هل كنا أمام عملية هدفها التخريب فقط، أم أمام رسالة سياسية وأمنية أرادت جهة ما إيصالها إلى أطراف متعددة؟
اختيار هدف بحساسية ميناء استراتيجي ومنشآت مرتبطة بالطاقة ليس أمرًا عابرًا في الحسابات العسكرية. فالموانئ لم تعد مجرد أماكن تجارية، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي، وأي اقتراب منها يحمل دلالة تتجاوز الخسائر المادية.
اللافت في مثل هذه العمليات هو أن الطائرة المسيّرة قد تكون أحيانًا “توقيعًا بلا اسم”. فهي قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، وتنفيذ ضربة محسوبة، ثم تختفي الجهة التي أطلقتها خلف مساحة من الغموض.
ومن هنا تأتي أهمية تحليل بقايا المسيّرة؛ فالشظايا قد تكشف الكثير: نوع التكنولوجيا المستخدمة، طريقة التوجيه، مسار الرحلة، وربما الجهات التي تمتلك مثل هذه القدرات. لكن تبقى هناك مسافة بين معرفة “الأداة” ومعرفة “صاحب القرار”.
في السياسة الدولية، لا يكفي أن نسأل: من يستطيع تنفيذ العملية؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: من يستفيد من توقيتها؟ ومن تخدمه الرسالة التي خرجت منها؟
ولهذا ظهرت تحليلات تربط بين حادث دمياط وبين أزمات إقليمية أخرى، باعتبار أن المنطقة تشهد مرحلة من إعادة رسم النفوذ، وأن الرسائل المتبادلة لم تعد تُرسل فقط عبر التصريحات، بل أحيانًا عبر أحداث أمنية محسوبة.
لكن الخطورة تكمن في أن المستفيد ليس دائمًا هو الفاعل. فقد تُستخدم بعض العمليات لإلصاق المسؤولية بطرف معين، أو لإشعال توترات بين أطراف لا علاقة مباشرة لها بالحادث.
السؤال الحقيقي إذن: هل كانت المسيّرة تحمل متفجرات فقط؟ أم كانت تحمل رسالة؟
إذا كانت العملية محدودة باستخدام طائرة واحدة، فإن ذلك قد يفتح بابًا لتحليل آخر: ربما لم يكن الهدف إحداث أكبر قدر من الخسائر، بل إثبات القدرة على الوصول إلى هدف حساس. فالقوة في عالم اليوم ليست فقط في حجم الضربة، وإنما في القدرة على اختيار المكان والزمان وإرسال الإشارة المناسبة.
بين شظايا المسيّرة وحسابات السياسة، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة التحقيقات. لكن المؤكد أن عصر الحروب الخفية جعل من كل حادث أمني قصة أكبر من لحظته، ورسالة تحتاج إلى قراءة ما بين السطور.
فأحيانًا لا يكون السؤال: من أشعل النار؟
بل: من أراد أن يثبت أنه يستطيع الوصول إليها؟

مقالات ذات صلة