
تنازلت “حماس” لمصلحة غزّة
داود كتاب
حرير- منذ إعلان وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة وخطّة النقاط العشرين التي أقرّها المجتمع الدولي، بما في ذلك إسرائيل ومنظّمة التحرير الفلسطينية، واصلت إسرائيل مخطّطها الإجرامي. وفي غياب أيّ نظام مراقبة أو مساءلة من الجهات الراعية الأميركية، قتل جيش نتنياهو أكثر من ألف فلسطيني، ووسّع نطاق احتلاله المباشر لأكثر من 60% من قطاع غزّة، ورفض الانتقال إلى المرحلة الثانية. وافقت جميع أطراف مشروع “مجلس السلام” على أنّ جميع شروط المرحلة الأولى قد استوفيت. ومع ذلك، استمرّت إسرائيل في مطالبة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بنزع سلاحها، على الرغم من أنّ نزع السلاح لم يكن جزءاً من شروط المرحلة الأولى.
مرّ عام تقريباً منذ أن أعطى القادة العرب والمسلمون ترامب موافقتهم المبدئية في سبتمبر/ أيلول 2025 في الأمم المتحدة، ووافق مجلس الأمن على الخطّة في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، ولا نزال ننتظر تغيّراً على الأرض، ولكن المحاولات كلّها فشلت بسبب تشبّث إسرائيل بالبقاء عند المرحلة الأولى.
يتطلّب الانتقال إلى المرحلة الثانية انسحاباً إسرائيلياً جزئياً من الخطّ الأصفر الأصلي (وقد وسّعت إسرائيل بالفعل الخطّ الأصفر وحرّكته غرباً)، والسماح بمرور معدّات ثقيلة للمساعدة في إزالة الأنقاض، إذ قد تكون بعض الجثث لا تزال مدفونة، والسماح بدخول 600 شاحنة من المساعدات الإنسانية. قُيّد دخول شاحنات المساعدات الإنسانية، بينما سُمح بدخول الشاحنات الإسرائيلية التي تُدرّ على التجّار الإسرائيليين والفلسطينيين مبالغ ضخمة دورياً، ممّا أدّى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع الأساسية بحدّة.
نجحت حركة حماس أخيراً في انتخاب مكتبها السياسي. وانتُخب خليل الحية (قُتل ابنه همام في العدوان الإسرائيلي على الدوحة) رئيساً للحركة. ورغم استمرار الإسرائيليين في تغيير شروط الحلّ وعدم تحرّك واشنطن حيال ذلك، سارع الحيّة إلى مساعدة الأهل في غزّة بالموافقة على مطالب إسرائيل المجحفة التي قدّمها مبعوث مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، على الرغم من أنّها غير مطلوبة بحسب الخطّة العشرينية.
وبحسب تقارير من القاهرة، وافقت “حماس” على بدء عملية نزع سلاحها. وستشمل العملية التدريجية وضع المعدّات الثقيلة في مستودعات مغلقة تحت إشراف اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية في غزّة (لا تزال اللجنة عالقة في مصر بسبب الرفض الإسرائيلي دخولها)، على أن يتبع ذلك تقديم مخطّطات الأنفاق. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستُسلّم أيضاً الأسلحة الدفاعية الخفيفة.
في كلّ خطوة، من المفترض أن تنسحب إسرائيل من غزّة وتلتزم الشروط الواردة في المرحلة الثانية. ومن المتوقّع أن يطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بتنفيذ جميع مراحل عملية التفكيك، وتستغرق قرابة عام، قبل أن تنسحب إسرائيل ولو شبراً واحداً. وقد أعقب قبول “حماس” (الإيجابي) تأييد علني من الرئيس ترامب. ولم يصدر عن إسرائيل أيّ بيان رسمي، على الرغم من صدور موافقة غير رسمية معارضة لتنفيذ الخطّة.
ينتظر نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول حكماً في تاريخ إسرائيل، البتّ في أربع تهم موجّهة إليه أمام محكمة جنائية متخصّصة في قضايا الفساد، بالإضافة إلى إمكانية تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الانتخابات التي سبقت “7 أكتوبر” (2023)، وذلك في حال عدم فوزه في الانتخابات المقبلة. ستُحدِّد الانتخابات العامّة المقرّرة في 27 أكتوبر المقبل ما إذا كان نتنياهو سيتمكّن مجدّداً من حشد 61 مقعداً لتشكيل أغلبية في الكنيست (مؤلف من 120 عضواً). وفي حال فشل خصومه أيضاً، سيبقى نتنياهو رئيساً للوزراء بالوكالة إلى حين إجراء انتخابات جديدة.
خلال حضوره جنازة ليندسي غراهام، أدخل نتنياهو للقاء ترامب في البيت الأبيض من مدخل جانبي، بعيداً من أنظار وسائل الإعلام، وهي إشارة غير مريحة لشخص يعشق الإعلام، في حين يتمتّع ترامب بشعبية جارفة في إسرائيل. وسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان نتنياهو مستعدّاً لتحدّي الرئيس الأميركي مجدّداً، في حين يُحمّله معظم الأميركيين المسؤولية الشخصية عن توريط أميركا في حرب خاسرة مع إيران.
الكرة الآن في ملعب إسرائيل، بعد أن وافقت “حماس” (على مضض) على تغيير جديد في قواعد اللعبة. ماذا ستفعل واشنطن إذا رفض نتنياهو الموافقة أو حاول تقديم اقتراح مضادّ يتضمّن تغييراً آخر في قواعد اللعبة؟



