
فريق إنقاذ سوري لمواجهة زلزال فنزويلا… رسائل ودلالات
إحسان الفقيه
حرير- لم يكن الزلزال الذي ضرب فنزويلا مؤخرا حدثا جديدا في عالمنا الذي تسارعت فيه وتيرة الكوارث والأزمات، لكن الجديد في الأزمة هي تلك الاستجابة الفعالة التي أبدتها سوريا في التضامن مع فنزويلا، وإرسالها فريقا للإنقاذ للمساهمة في مواجهة تداعيات الكارثة. خمسة عشر عنصرا من كوادر وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية توجهوا من مطار دمشق الدولي إلى كاراكاس عاصمة فنزويلا للمشاركة في أعمال البحث والإنقاذ، وهي المرة الأولى التي يكون لسوريا فريق وطني في هذا المجال يشارك في عمليات خارج الحدود.
ربما يثير الحدث تساؤلات طبيعية حول المشاركة السورية، حيث أن سوريا قد خرجت لتوها من ويلات الحرب والدمار، فكيف تتوجه إلى بذل المساعدات للدول الأخرى وهي من أكثر الدول استحقاقا للمساعدات؟ وما هي مؤهلات وإمكانات هذا الفريق حتى يمد يد العون لدولة أخرى أصابتها تلك الكارثة؟
في حقيقة الأمر إن هذا الفريق نتاج أزمة طاحنة ضربت سوريا، لأنه اكتسب خبرة ميدانية واسعة خلال سنوات الثورة السورية والحرب الضروس، التي شنها بشار الأسد ضد شعبه، فعلى مدى سنوات شاركت هذه العناصر في أعمال الإنقاذ لضحايا القصف والبحث والتنقيب عن القتلى الذين دفنوا تحت التراب، بفعل قذائف وصواريخ النظام وحلفائه، إضافة إلى إسهامها في أعمال البحث عن الناجين في زلزال فبراير/ شباط 2023 الذي ضرب شمال غربي سوريا ومناطق واسعة في جنوبي تركيا، فهي إذن عناصر صقلتها الحرب وأزماتها.
هذه المشاركة كذلك تحمل رسائل ودلالات إنسانية وسياسية ودبلوماسية واضحة، فالمسألة ليست مجرد إرسال فريق إنقاذ إلى بلد منكوب، إنما هي رسالة واضحة بأن دمشق ليست مجرد دولة تتلقى المساعدات، وإنما دولة لها هوية وكيان ومؤسسات وقادرة على تقديم المساعدة للآخرين بكل ما تملك من خبرات، وهذا الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الباذل المساهم له تأثير نفسي إيجابي على الداخل السوري، وتحقيق الإشباع للمواطن، ويرسم كذلك صورة ذهنية في المجتمع الدولي عن سوريا الجديدة. الحدث يترجم أيضا توجهات الإدارة الجديدة التي تصرح بأنها تهدف إلى الانخراط في المجتمع الدولي وكسر العزلة التي فرضها نظام الأسد على سوريا، فها هي سوريا تتلاقى في هذا الجانب الإنساني مع دولة منكوبة لا تنتمي لمحيطها العربي، ولا لعالمها الإسلامي، إبرازا للمسارات الجديدة في سوريا ما بعد الأسد. سوريا تسعى منذ سنوات إلى توسيع هامش حركتها الخارجية بعد فترة طويلة من العزلة، تدرك أن الحضور الدولي لا يتحقق فقط عبر المؤتمرات السياسية، وإنما أيضا من خلال المشاركة الفاعلة في المبادرات الإنسانية الدولية. هذه المشاركة كذلك تختزل تلك التحولات الكبيرة في مفهوم القدرة الوطنية لدى سوريا، وإبراز الثروة البشرية الهائلة التي تمتلكها، وهي إحدى الركائز الأساسية في النهضة السورية التي لاحت إرهاصاتها في الأفق، وهو ما تعول عليه الحكومة السورية كثيرا، فالمواطن السوري بطبعه نشيط يحب العمل والإنتاج، ولا أدل على ذلك من نجاح النازحين واللاجئين السوريين في المشاريع الصغيرة ومجالات الاستثمار في مختلف الدول. ومن المعلوم أنه عندما تتعرض دولة للكوارث فإنها تخرج منها بخبرات ثمينة على الرغم من أنها خرجت من رحم الألم والمعاناة، فاليابان صارت مرجعا عالميا في مواجهة الزلازل، لأنها عانت منها كثيرا، كما أن تركيا طورت منظومات إنقاذ متقدمة بعد سلسلة من الكوارث التي ضربتها، وسوريا كذلك، على الرغم من الظروف الاستثنائية التي مرت بها، قد أنتجت كوادر ذات خبرة ميدانية حقيقية في إدارة الكوارث والبحث والإنقاذ والإسعاف والإخلاء السريع، وهي خبرات تمثل عنصر قوة وطنية تفتح مسارات في مجال التعاون الدولي.
هناك أعراف عالمية بأن الكوارث الطبيعية تتخطى حدود السياسة والجغرافيا والأيديولوجيا، لأن هذه الكوارث لا تفرق بين دول غنية وأخرى فقيرة، ولا بين الحلفاء والخصوم، فمن ثم تتحرك فرق الإنقاذ وفق منطق إنساني قبل أي اعتبار آخر، وهذا ما أرادت سوريا أن تبرزه للجميع، أنها تسير وفقا لهذه الأعراف الإنسانية. إن هذه المشاركة السورية في الحدث نوع من الدبلوماسية الحديثة التي لا تقتصر على السفارات والتمثيل الدبلوماسي والبيانات الرسمية، هذه الدبلوماسية توصف بأنها دبلوماسية إنسانية تعتمد على المقاربة في توظيف الإمكانات الإغاثية وفرق الإنقاذ والمساعدات الطبية، لتعزيز الحضور الدولي وبناء جسور الثقة مع الدول والشعوب. لقد استخدمت قوى كبرى ومتوسطة هذا النوع من الدبلوماسية لعقود طويلة، فأصبحت فرق الإغاثة جزءا من القوة الناعمة للدول، تماما كما تمثل الثقافة والتعليم والاقتصاد أدوات للتأثير الخارجي.
نجاح هذه المبادرة ينبغي أن يتحول إلى سياسة مستدامة، فيمكن لسوريا أن تؤسس مراكز تدريب إقليمية نظرا لخبرة عناصرها في هذا الميدان، وأن تشارك في مناورات دولية وتطوير برامج مشتركة لتبادل الخبرات لتصبح جزءا من المنظومة العالمية للاستجابة للطوارئ، وهي إجراءات تخدم الدولة الناشئة وترفع جاهزية مؤسسات الوطنية وتتيح لها الإطلاع على أحدث التقنيات والأساليب المستخدمة في هذا المجال في الدول المتقدمة.



