
بعد المونديال.. حان وقت البناء لا جلد الذات
جهاد المنسي
حرير- انتهت مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم، ومعها انتهت لحظات التوتر والانفعال التي ترافق كل مباراة، لكن ما يجب ألا ينتهي هو النقاش المسؤول حول مستقبل كرة القدم الأردنية، فالمشاركة في الحدث الكروي الأكبر عالمياً لم تكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تفرض علينا أن نتعامل مع التجربة بعقلية البناء، لا بعقلية جلد الذات أو توزيع الاتهامات.
نعم هناك مشاكل فنية ولياقة بدنية يتوجب التعامل معها، ولكن المنتخب الوطني لم يخذلنا بالمطلق وحقق إنجازا لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من العمل والتخطيط والتضحيات، ولذلك، فإن تقييم المشاركة يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، لا من نتيجة مباراة أو أداء شوط أو خطأ فردي؛ فحتى المنتخبات الكبرى التي تملك تاريخاً حافلاً في البطولة تتعرض للخسارة وتغادر أحياناً من الدور الأول، لكنها لا تهدم مشروعها الرياضي، بل تبني عليه.
المؤسف أن الساحة الرياضية، عقب كل مشاركة، تمتلئ بأصوات ترتفع أكثر مما ينبغي، يتصدرها أشخاص نصبوا أنفسهم محللين ومدربين وخبراء، وهم في كثير من الأحيان لم يمارسوا التدريب، ولم يديروا فريقاً، ولم يشاركوا في صناعة قرار رياضي، فيتحول النقد عند بعضهم إلى تصفية حسابات، وإطلاق أحكام قاسية، والبحث عن «متهم» بدلاً من البحث عن حلول.
النقد حق، بل هو ضرورة، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى مزايدات أو انفعالات أو تشكيك في كل ما تحقق، أما النقد الحقيقي، فهو الذي يقدم قراءة فنية تستند إلى المعرفة والخبرة، ويطرح بدائل قابلة للتنفيذ، لا أن يكتفي بإثارة الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في هذه المرحلة، ربما يكون أفضل ما يمكن أن يقدمه هؤلاء هو الصمت قليلاً، وترك المجال لأصحاب الاختصاص من المدربين والفنيين والخبراء لتقييم التجربة بعيداً عن الضجيج الإعلامي. فالمنتخب الوطني لا يحتاج إلى محاكمات شعبية، بل إلى مراجعة علمية وهادئة تحدد نقاط القوة لتعزيزها، ونقاط الضعف لمعالجتها.
والأهم من تقييم المشاركة هو التفكير فيما بعدها، فإذا أردنا أن يصبح الوصول إلى كأس العالم أمراً متكرراً لا استثنائياً، فإن ذلك يتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً لتطوير كرة القدم، يبدأ من القاعدة ولا ينتهي عند المنتخب الأول.
فالاستثمار الحقيقي ليس في تغيير مدرب بعد كل خسارة، ولا في البحث عن أسماء جديدة قبل كل بطولة، وإنما في بناء منظومة كروية حديثة، وهذا يبدأ بإنشاء مراكز وطنية متخصصة لاكتشاف المواهب في جميع المحافظات، وتطوير الأكاديميات، وتأهيل المدربين، وتوفير بيئة احترافية تتيح للاعب الأردني أن يتطور منذ سنواته الأولى.
كما أن البنية التحتية لم تعد ترفاً، فمن غير المنطقي أن نطمح إلى منافسة كبار العالم، بينما ما تزال الحاجة قائمة إلى ملاعب تدريب حديثة، ومنشآت رياضية متطورة، وبرامج إعداد بدني وطبي ونفسي تضاهي ما هو معمول به في الدول المتقدمة كروياً.
ولا يقل أهمية عن ذلك ملف اختيار اللاعبين، فالمنتخب الوطني يجب أن يبقى بعيداً عن أي اعتبارات سوى الكفاءة والجاهزية، فلا مكان للمجاملة، ولا للمحاباة، ولا لتأثير الانتماءات الضيقة، اللاعب الذي يرتدي قميص الأردن يجب أن يصل إليه لأنه الأفضل، وليس لأنه يمثل نادياً معيناً أو يحظى بدعم جهة ما، فالمنتخب ليس فريقاً لنادٍ، بل هو عنوان الوطن كله.
ومن هنا، يصبح من الضروري أيضاً أن تتراجع لغة التعصب بين الأندية كلما تعلق الأمر بالمنتخب الوطني. فحين يرتدي اللاعب شعار الأردن، تنتهي ألوان الأندية، ولا يبقى سوى لون العلم، ولا يجوز أن تتحول المنافسات المحلية أو الخلافات الجماهيرية إلى عبء على المنتخب أو سبب في التشكيك باللاعبين أو الجهاز الفني.
إن مصلحة الأردن الرياضية يجب أن تكون فوق كل اعتبار، وفوق كل نادٍ، وفوق كل اسم، وفوق كل خلاف. فالمنتخب هو المشروع الوطني الذي يجتمع حوله الجميع، وأي نجاح يحققه ينعكس على صورة الأردن في العالم، ويمنح الشباب أملاً جديداً بأن العمل والاجتهاد يمكن أن يصنعا المستحيل.
لقد أثبت اللاعب الأردني أنه قادر على الوصول إلى أكبر المحافل، وأثبت الجمهور أنه من أكثر الجماهير وفاءً ودعماً، وبقي أن تتحول هذه اللحظة التاريخية إلى نقطة انطلاق لمشروع طويل الأمد، لا إلى محطة عابرة تنتهي بانتهاء البطولة.
المنتخبات الكبيرة لا تُقاس بنتيجة مباراة، وإنما بقدرتها على التعلم بعد كل تجربة، وإذا أحسنّا قراءة ما جرى، واستثمرنا ما تحقق، ووضعنا مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، فإن المشاركة الحالية لن تكون مجرد ذكرى جميلة، بل ستكون اللبنة الأولى في بناء منتخب قادر على العودة إلى كأس العالم مرة بعد أخرى، وهو أكثر جاهزية وثقة وقدرة على المنافسة.



