
ترامب والاتفاقات الإبراهيمية: قراءة في تقييمات المراقبين الغربيين
حمزة علي – مركز تقدم للسياسات، لندن
– في خضم المفاوضات النووية الجارية مع إيران، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرة غير مسبوقة دعا فيها عدداً من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية ضمن إطار تسوية إقليمية أوسع. وشملت الدعوة السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن، مع تلميحات بإمكانية انضمام إيران مستقبلاً، في ما وصفه ترامب بـ”ائتلاف عالمي لا مثيل له”. إلا أن المبادرة قوبلت بتشكيك واسع في الأوساط السياسية والبحثية الغربية، التي رأت فيها طرحاً يفتقر إلى المنطق الاستراتيجي ويتجاهل السياقات السياسية السائدة في المنطقة.
– اعتبر عدد من المحللين الغربيين أن الربط بين التفاوض مع إيران وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية يعكس سوء تقدير لطبيعة التوازنات الإقليمية. ووُصف المقترح بأنه “منقطع عن الواقع” ويعكس إخفاقاً في قراءة المزاج السياسي السائد في الشرق الأوسط. كما أشارت تقارير غربية إلى أن ردود الفعل الرسمية في عدد من الدول المعنية تراوحت بين التجاهل والصمت، وهو ما عُدّ مؤشراً على محدودية التجاوب مع الطرح الأمريكي.
– تكشف التقييمات الغربية عن إشكالية أعمق تتعلق بتراجع جاذبية مشروع التطبيع كلما ارتبط بضغوط أمريكية مباشرة. فالحرب في غزة وما رافقها من تداعيات إنسانية وسياسية أضعفت من قدرة إسرائيل على تسويق نفسها كشريك إقليمي طبيعي، كما قوّضت الافتراض الأمريكي–الإسرائيلي القائل إن المواجهة مع إيران ستدفع دول المنطقة إلى مزيد من التقارب مع تل أبيب.
– يرى عدد من المراقبين أن الاتفاقات الإبراهيمية لم تعد تمثل الإطار المركزي لإعادة تشكيل النظام الإقليمي كما كان يُتصور سابقاً. فالحرب الأخيرة أعادت فتح النقاش حول فعالية التحالفات الأمنية التقليدية، وأثارت تساؤلات لدى بعض دول الخليج بشأن جدوى ترتيبات لم تنجح في منع تعرض المنطقة لتهديدات مباشرة. وفي المقابل، أظهرت إيران قدرة على الصمود والاستمرار رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها.
– تبرز توجهات إقليمية بديلة تقوم على مفاهيم الأمن الجماعي وخفض التصعيد، ومن بينها الطروحات السعودية المتعلقة بإنشاء إطار إقليمي لعدم الاعتداء يشمل إيران، على غرار الترتيبات الأمنية الأوروبية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى اندفاعة ترامب نحو توسيع الاتفاقات الإبراهيمية باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت الدور الأمريكي في هندسة الترتيبات الإقليمية، ومواجهة المبادرات البديلة التي تتشكل خارج المظلة الأمريكية التقليدية.
الخلاصة:
تشير غالبية التقييمات الغربية إلى أن مبادرة ترامب تعكس فجوة متزايدة بين التصورات الأمريكية التقليدية وبين الواقع الإقليمي المتغير. فالصمت الذي قوبلت به الدعوة لا يرتبط فقط بتوقيت المبادرة أو بصياغتها السياسية، بل يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي. فدول المنطقة باتت أكثر ميلاً إلى صياغة سياساتها انطلاقاً من حسابات المصلحة الوطنية والتوازنات المتعددة، بعيداً عن الأطر الجاهزة التي تقترحها القوى الكبرى. وعليه، تبدو المبادرة أقرب إلى محاولة لاستعادة نفوذ أمريكي آخذ في التراجع، منها إلى مشروع دبلوماسي يمتلك فرصاً واقعية للنجاح في البيئة الاستراتيجية الراهنة.



