الجيش اللبناني بين جبهتَيْن

توفيق شومان

حرير- قلّصت التطوّرات اللبنانية المتسارعة مستوى المتابعة الإعلامية والتحليلية لخلفيات (وأبعاد) إجراء الإدارة الأميركية الخطير في 21 مايو/ أيار الحالي، إدراج ضابطَين لبنانيَّين من ذوي الرتب الرفيعة في لائحة العقوبات الأميركية، رئيس دائرة الأمن القومي في مديرية الأمن العام العميد خطّار ناصر الدين، والعقيد في استخبارات الجيش اللبناني سامر حمادة، بتهمة مشاركة معلومات استخباراتية مع حزب الله.

في سنوات سابقة، عملت الإدارة الأميركية لإدخال وجوه سياسية لبنانية بارزة في قائمة العقوبات التي تتطاير شظاياها شرقاً وغرباً. ففي الثامن من سبتمبر/ أيلول 2020، فرضت واشنطن عقوبات على النائب علي حسن خليل (المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه برّي)، وعلى الوزير الأسبق يوسف فنيانوس المقرّب من زعيم تيار المردة، سليمان فرنجية. وفي السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، طاولت العقوبات الأميركية الوزير السابق جبران باسيل (رئيس التيار الوطني الحرّ). أمّا أن تتمادى العقوبات لتضرب بنية الدولة اللبنانية برمزيتها المتّصلة بالمؤسسة العسكرية، فذاك ممّا ينذر بشرٍّ مستطير قد لا يقف شرره عند حدّ أو جانب، بل يرتبط بما تضمره واشنطن تجاه الجيش اللبناني، وما يراودها من فِكَر وتصوّرات غير منفصلة عن المآلات المُستبطَنة للمسار التفاوضي بين الدولة اللبنانية ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

حيال هذا، يكاد اللبنانيون يجمعون، مع اختلاف قراءاتهم، على أنّ أوّل الغيث الأميركي الذي استهدف ضابطَين لبنانيَّين سيعقبه استهدافٌ ممنهجٌ ومتدرّجٌ قد يقترب، على نحو ما، من قيادة الجيش. فالعماد رودولف هيكل، حين رفض (وما زال) وضع جدول زمني لنزع سلاح المقاومة اللبنانية، صنّفه الأميركيون في خانة المُعانِد. وقبل هذا، وفي أثناء وصفه إسرائيل بأنّها الدولة العدوّة، خلال لقاء مع المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس في العام الماضي، صبّت جام غضبها عليه في لقاءات بيروتية خاصّة ومتعدّدة، ثم علت دعوات أميركية إلى وقف المساعدات الأميركية للجيش اللبناني.

لعلّ أكثر المحطّات بروزاً في التشنّج الحاصل بين قيادة الجيش والإدارة الأميركية ارتسمت معالمها في تأجيل زيارة قائد الجيش إلى واشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، فيما انتهت زيارته في فبراير/ شباط الماضي بانتكاسة جدالية ونظرية مع السيناتور ليندسي غراهام، حين سأله عما إذا كان حزب الله، في مفهومه، منظّمةً إرهابية، فأجابه هيكل: “لا… هذا ليس في السياق اللبناني”. وعلى ما كتب غراهام معلّقاً: “عندها أنهيت الاجتماع”. وما بين الزيارة المؤجَّلة ونظيرتها المنتكسة، أشهر محلّلون لبنانيون مُقرَّبون من أطراف سياسية معروفة تساؤلات ملؤها التشكيك بقيادة الجيش وانزياحها عن تقليدية العلاقة مع الولايات المتحدة، وعمّا تفعله في مصير هذه العلاقة، وما هي الأسباب الحائلة دون تحديد جداولَ زمنية تفصيلية لنزع سلاح المقاومة وصولاً إلى بسط الدولة اللبنانية “سيادتها” على أراضيها. ورافقت هذا التشكيك طروحات وفِكَر متعلّقة بما يراه الأميركيون دوراً مقبلاً أو مسؤولية مستقبلية للمؤسّسة العسكرية اللبنانية، ومن هذه الفِكَر ما غدا شائعاً ومتمثّلاً في تشكيل لواء عسكري خاصّ داخل الجيش تُلقى على عاتقه مهمّة نزع سلاح حزب الله.

هذا الطرح، الذي جهر به وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) في حوار مع شبكة “فوكس نيوز”، وواجهته مصادر رسمية لبنانية بمواقف رافضة في 19 مايو/ أيار الحالي، يعطي فكرةً واضحةً عن كيفية التفكير الأميركي في الصورة المطلوب أن يكون عليها الجيش، بحيث يكون جيشَين: واحد لمواجهة الداخل ويُعزّز بالعتاد والسلاح اللازمَين، وآخر يُحجب عنه السلاح والتسليح. وأكثر من هذا، فتشكيل لواء داخل الجيش الوطني يفترض أن يخضع المنتسبون إليه لتدقيق ولائي يستمدّ معاييره من مساقط الرؤوس المناطقية والانتماءات الطائفية، فيُحظر على بعضهم دخوله، ويتاح لآخرين الانتساب إليه. ولا أحد يدري كيف سقطت هذه الفكرة على رأس وزير الخارجية الأميركي، إلا إذا كانت مفاعيلها التأثيرية مستمدّةً من حملة التعبئة الإسرائيلية المتواصلة على الجيش اللبناني. ففي مقالة لرئيس الفرع التنفيذي لجهاز “الموساد” في بيروت يائير رافيد رافيتز، في “يديعوت أحرونوت” (9/8/2025): “عدد الضبّاط والجنود في الجيش اللبناني (المنتمين إلى طائفة لبنانية محدّدة) يفوق ما كان عليه في الماضي، وفي حال وقوع مواجهة بين الجيش وحزب الله، فالجهة التي سيختارونها معروفة”. وكتب نائب رئيس جامعة تلّ أبيب إيال زيسر، في “يسرائيل هيوم” (31/8/2025): “تريد الحكومة اللبنانية أن تظهر في الأعين الأميركية بأنّها تعمل ضدّ حزب الله، ولكنّها تخشى الانجرار إلى حرب داخلية، ذلك أنّ 60% من جنود الجيش اللبناني هم من طائفة معيّنة، ومن الصعب الافتراض أنهم سيرفعون السلاح ضدّ أبناء طائفتهم”.

وبناءً على هذه الخلفية، كما يظهر، طرح الأميركيون فكرة تشكيل اللواء اللبناني الخاصّ، وهي فكرة استبعادية لفئة اجتماعية معيّنة. وينمّ هذا الطرح عن مقدّمات، ولو على سبيل التداول النظري أو التفاوضي، لوضع اليد على التشكيلات العسكرية للجيش اللبناني وعلى بنيتها ووحداتها. وفي السياق نفسه، تأتي العقوبات الأميركية على الضابطَين اللبنانيَّين، فهي لا تخرج عن دائرة التدخّل المباشر في شؤون الجيش، وما يمكن أن يستتبعها من تدخّل في آليات التعيينات والترقيات.

ماذا بعد؟ يسألون في بيروت، ويجيبون بأنّ الاعتداءات الإسرائيلية المتوسّعة على لبنان، وقد شملت الجنوب كلّه والبقاع الغربي، ناهيك عن أجزاء واسعة من البقاع الشمالي، ووصلت إلى الضاحية الجنوبية مجدّداً أول من أمس الخميس، لم تعد مقتصرةً على عنوان المواجهة مع حزب الله، فهي تستهدف الجيش اللبناني أيضاً. وهذا الجيش بات في مواجهة جبهة العقوبات الضاغطة من واشنطن عليه وجبهة النار الآتية من تل أبيب، حيث يسقط له شهداءُ وجرحى تلاحقهم صواريخ الطائرات أو المسيّرات الإسرائيلية. ولا يبدو في المدى المنظور أنّ أياً من الجبهتَين قابلة للإغلاق أو سيكون لها مفعول على طاولات التفاوض.

مقالات ذات صلة