
شيفرة «فتح» قبل مؤتمرها وبعده
نبيل عمرو
حرير- أنهت «فتح»، أو الجزء الرسمي منها، مؤتمرها الثامن الذي أنتج تجديداً في الأشخاص من اللون الواحد، وكالعادة أقيمت سُرادقات فرحٍ للاحتفاء بالفائزين، مقابل مآتم عزاء للخاسرين، فالناجحون قدّموا المؤتمر على أنه ذروة الديمقراطية ونقل الحركة الكبرى من واقعها الصعب، إلى واقع يؤهلها لاقتحام المرحلة المقبلة بنجاح، في حين يتوعّد الخاسرون بالاقتصاص من الذين تسببوا في خسارتهم من خلال ترتيبات مدخلات المؤتمر، بما أدّى إلى السيطرة على مخرجاته.
في ساعات الفرح بالفوز وألم الخسارة، يقال كلامٌ غالباً ما لا صلة له بالحقيقة، ذلك أن الفائزين والخاسرين هم من قماشةٍ واحدة، فضلاً عن أن قدرة المؤتمر وما أنتج على نقل الحركة من واقعٍ إلى آخر مختلف، فيه إنشاءٌ لغوي أكثر بكثير مما فيه من أسانيد عمليةٍ تؤدي إلى تغيير فعلي في المعادلات الداخلية والسياسية.
«فتح» خدمتها الأقدار السياسية لتُصبح في فترةٍ زمنيةٍ قصيرة التشكيل الأكثر استحواذاً على ثقة الفلسطيني، إذ جاءت كما وصفها خصمها اللدود في الأردن الراحل وصفي التل بـ«ابن العازة»، وهذا مصطلح شعبيٌ متداول حول المولود الذي طال انتظاره وحين أتى أصبح مدلل العائلة.
بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967 وتزكية عبد الناصر لها، بعبارته التاريخية «ولدت لتبقى»، انتشرت «فتح» على مساحاتٍ واسعةٍ تبيّن أنها فوق طاقتها على الاستيعاب والتنظيم، وحيثما وجد فلسطينيون على سطح الكوكب وجدت «فتح»، وعززت انتشارها بإنجازاتٍ عسكريةٍ وسياسية جسّدت منطقية الرهان عليها، وفي ساحتين لصيقتين بالوطن، الأردن ولبنان، كاد نفوذها يصل إلى حدّ دولةٍ داخل دولة، إلى أن أُخرجت تماماً من الجغرافيا الثمينة في بلاد الشام، لتتجه إلى الجغرافيا السياسية الأوسع على مستوى العالم كله.
كانت قيادتها التاريخية، عرفات ورفاقه المؤسسون، تحظى بثقة الجمهور الفلسطيني، وبذلك تمكّنت من إفشال جميع محاولات الانشقاق والتمرد واصطناع البدائل، وحين وقع التحوّل التاريخي من ثورةٍ قيادتها في المنفى إلى مشروع نظام حكمٍ على بعض أرض الوطن، وقفت «فتح» وجهاً لوجه، مع الشعب الذي كانت تقوده من المنفى، وقد واجهت ما لم تكن حسبت له حساباً بقدرٍ كافٍ، وهي إدارة شعبٍ وقع تحت احتلالٍ استيطاني شرس، امتد عقوداً بما أثّر جوهرياً على الفرد والمجتمع الفلسطيني.
لم ينسحب الاحتلال ويُسلّم البلاد لقيادةٍ وطنية، بل بقي بتأثيره المزدوج في الماضي؛ حيث أوسع الفلسطينيين تدميراً وتنكيلاً وتمزيقاً، وفي الحاضر؛ حيث مناطق السلطة أقرب إلى جزر محاصرة إمّا بوجود عسكري استيطاني مباشر، وإما بالسيطرة على مداخل ومخارج المدن والقرى، وبفعل هذه الحالة المرهقة، تراجع الرهان على السلام الموعود، ليحلّ محلّه عذابٌ جماعيٌ عانى منه الفلسطينيون، كما لو أن الاحتلال بقي كما كان بل أشد.
واجهت «فتح» هذا كله من خلال الجسمين الرئيسيين للحالة الفلسطينية؛ السلطة المستجدة والمنظمة المتكرسة كشرعيةٍ عليا، وقد تحققت نجاحاتٌ لا تُنكر في بداية التجربة مع السلام، حين كان حزب «العمل» هو شريك التجربة، وكان العالم كله داعماً للمحاولة التاريخية على نحو بدا كما لو أن فشلها سيكون مستحيلاً، غير أن ما كان يبدو مستحيلاً تحوّل إلى الممكن الوحيد الذي فرض نفسه على التجربة السلمية الدولية، حين جاء إلى الحكم في إسرائيل مَن عارضوا مبدأ أي تسوية مع الفلسطينيين، وصار بمقدورهم قلب التجربة رأساً على عقب، ومنذ جاء «الليكود» إلى سدّة الحكم وإلى يومنا هذا انتهت إمكانية تحقيق سلام تفاوضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية أميركا والعالم، لتحلّ محلها حربٌ هي الأشرس على مدى تاريخ القضية الفلسطينية، أخذت فيما أخذت ياسر عرفات بمكانته ورمزيته البالغة القوة، ووضعت «فتح» صاحبة مشروع السلام في قلب حالةٍ شديدة الصعوبة والتعقيد، فقد ظهر منافسٌ يمتلك إمكاناتٍ مهولة على إلحاق الأذى بها وبمشروعها، وهو الإسلام السياسي، كما تكرّس في إسرائيل نهج تقويض ما تبقى من مزايا مشروع «أوسلو» الذي هو في الأساس مشروع «فتح»، وأحد مبررات قيادتها، لتجد الحركة الكبرى نفسها أمام تحدياتٍ لا تملك القدرات الكافية على مواجهتها.
زحفت المؤثرات السلبية الذاتية والموضوعية على «فتح»، وفي غياب عرفات، صاحب القدرات المشهودة على التوحيد داخل حركته، وعلى الصعيد الفلسطيني العام، وجدت «فتح» نفسها في وضع لم يسبق أن عاشت مثله على مدى تاريخها الطويل.
كان مؤهلها في الماضي مجسّداً بقدرتها على إنجاز كثير من الرهانات الشعبية عليها، أمّا في الحاضر، فقد فُرضت عليها مطالب شعبية لا قدرة لديها على الوفاء بها، والأدهى والأمر أن حلولها جميعاً بيد الخصم، بدءاً من الحالة الاقتصادية المتدهورة على مستوى الوطن، وانسداد الأفق السياسي الذي كان يُنتج أملاً يساعد على تحمّل الصعوبات، وكذلك العجز عن إنجاز وحدةٍ وطنيةٍ هزّها الانقسام من جذورها، وما ضاعف من التأثير الكارثي لكل ذلك محدودية قدرات الصديق والشقيق وكلّ العالم عن تقديم بعضٍ مما كان يُقدّم زمن المنفى، وبدايات مجازفة السلام.
مؤتمر «فتح» الثامن يُشبه مؤتمراتها السابقة، فسوف يجد من أنتجهم من قياداتٍ قديمةٍ وجديدة أنفسهم ليس أمام امتحان كفاءةٍ مهنيةٍ في الإدارة والسياسة على أهمية ذلك، بل أمام استعصاءات لا يد لهم في الخلاص منها، وهذا أهم ما يؤثر على مكانة «فتح»، وجدارة قيادتها، وتواصل الرهان الشعبي على نجاحاتها.



